الهوية في المغرب: من وهم “التركيب” إلى ضرورة الحسم الترابي

يستمر الجدل حول الهوية في المغرب في الدوران داخل حلقة مفرغة، حيث تُقدَّم الهوية الوطنية غالبًا باعتبارها “مركّبة” من عناصر متعددة، دون حسم في مسألة الأصل والمرجعية. هذا الطرح، الذي يتكرر في الخطاب السياسي والإعلامي، يبدو في ظاهره منفتحًا، لكنه في العمق يتهرب من سؤال جوهري: ما الأساس الذي تستمد منه الدولة شرعيتها الرمزية والهوياتية؟
في هذا السياق، أثارت تصريحات السياسية نبيلة منيب حول “تركيب” الهوية المغربية نقاشًا واسعًا، لا لأنها اعترفت بالتنوع، بل لأنها وضعت جميع المكونات في مستوى واحد، متجاوزة الفرق الجوهري بين هوية أصلية ترابية تشكّلت في المكان، وبين تأثيرات تاريخية وثقافية جاءت لاحقًا بفعل التفاعل أو الهجرة أو السلطة. وهنا يكمن جوهر الإشكال: فالاعتراف بالتعدد لا يعني نفي الأصل، كما أن الاحتفاء بالتنوع لا يبرر تذويب الأساس الذي تنتظم حوله بقية العناصر.
وتبرز هذه الإشكالية بوضوح خلال محطات رمزية كبرى، مثل كأس إفريقيا للأمم، حيث يكشف الخطاب الرسمي حالة ارتباك هوياتي لافتة. ففي السياق نفسه، يُقدَّم المغرب باعتباره عربيًا، وإفريقيًا، وأندلسيًا، ومتوسطيًا، وعبريًا، دون أي تحديد للمرجعية التي تنتظم حولها هذه الروافد. وغالبًا ما يُستعمل هذا التعدد بوصفه مادة تزيينية ظرفية، لا باعتباره بناءً هوياتيًا منسجمًا. والحال أن هذه العناصر، مهما كان وزنها التاريخي أو الثقافي، تبقى روافد وتفاعلات، لا يمكن أن تشكّل هوية قائمة بذاتها.
فالأساس الذي يمنح المعنى والشرعية والاستمرارية هو الأمازيغية، بوصفها هوية الأرض والجغرافيا والتاريخ العميق. وهو ما تؤكده ليس فقط المعطيات التاريخية، بل أيضًا نتائج البحث العلمي والأنثروبولوجي. وما دون ذلك يظل إضافات مكتسبة، لا ترقى إلى قوة التأسيس التي تملكها الهوية الترابية الأصلية.
وقد دافع المفكر المغربي الراحل محمد بودهان عن تصور جذري ومغاير للهوية الأمازيغية، حين أكد أنها ليست هوية عرقية ولا إثنية مغلقة، بل هوية ترابية. أي أنها تستمد شرعيتها من الارتباط التاريخي بالأرض، ومن التراكم الحضاري والإنساني في فضاء شمال إفريقيا، بغضّ النظر عن الأصول البيولوجية أو الانتماءات الفردية.
وفق هذا التصور، فإن كل من يعيش في هذا الفضاء، ويتفاعل مع لغته وتاريخه ومؤسساته، هو جزء من هذه الهوية، دون حاجة إلى نقاء عرقي أو انتماء دموي. وهو ما يجعل الأمازيغية هوية جامعة بطبيعتها، غير إقصائية، وغير قابلة للتحول إلى مشروع عنصري، خلافًا لما يُروَّج له أحيانًا في الخطاب الرسمي وغير الرسمي.
ورغم ذلك، لا تزال الدولة المغربية تتعامل مع الأمازيغية باعتبارها ملفًا ثقافيًا أو لغويًا، لا إطارًا هوياتيًا مؤسسًا. ويظهر هذا التناقض بوضوح في المجال السياسي: ففي الوقت الذي تُمنع فيه الأحزاب ذات المرجعية الأمازيغية بدعوى أنها “عرقية”، يُسمح لأحزاب تستند إلى العروبة الإيديولوجية أو المرجعية الدينية السياسية، رغم أن هذه المرجعيات، بحكم تعريفها، عابرة للحدود الوطنية ولا تقوم على مفهوم ترابي جامع.
وتزداد المفارقة وضوحًا عند المقارنة بدول أخرى، مثل دول الخليج، حيث يشكّل الأجانب في بعض الحالات ما بين 40% و91% من السكان، دون أن يؤدي ذلك إلى التشكيك في الهوية العربية لتلك الدول، أو اعتبارها هوية إقصائية. فإذا كانت الهوية العربية تُعد شرعية رغم غياب التجانس الديموغرافي، فلماذا تُرفض الأمازيغية، وهي هوية الأرض والسكان التاريخيين، حين يُطالب بترسيمها كإطار سيادي؟
إن جوهر الأزمة لا يكمن في التنوع، بل في غياب حسم دستوري واضح. فالدستور المغربي، رغم اعترافه بالأمازيغية لغة رسمية، لا يزال يتجنب الإعلان الصريح عن طبيعة الدولة وهويتها الأصلية، مكتفيًا بصياغات توافقية تُدير التناقض بدل معالجته. غير أن التجارب المقارنة تُظهر أن الاستقرار السياسي طويل الأمد لا يتحقق عبر هويات معلّقة أو تسويات لغوية، بل عبر هوية ترابية واضحة تشكّل الإطار الجامع للمواطنة.
وفي الحالة المغربية، لا يمكن إنكار أن الأمازيغية تمثل هذا الإطار، تاريخيًا وإنسانيًا. ومن هنا، يصبح السؤال المطروح اليوم سؤالًا دستوريًا بامتياز:
هل يمكن لدولة أن تبني شرعيتها واستقرارها دون الاعتراف الصريح بهويتها الأصلية؟
إن تجاوز هذا الجدل يقتضي الانتقال من مستوى الرمزية إلى مستوى التأسيس، عبر:
التنصيص الدستوري الواضح على الدولة الأمازيغية كدولة ترابية جامعة،
تعميم الأمازيغية في التعليم والإدارة والإعلام باعتبارها لغة الدولة،
وضمان حق التعبير والتنظيم السياسي على أساس هذه الهوية، دون وصم أو إقصاء.
فالأمازيغية، وفق المفهوم الترابي الذي دافع عنه محمد بودهان، ليست مطلبًا فئويًا ولا قضية ثقافية معزولة، بل أساسًا للشرعية، وشرطًا للاستقرار، وأفقًا لمستقبل سياسي متوازن.
ودون هذا الحسم، سيظل سؤال الهوية مؤجَّلًا… لكنه سيعود في كل مرة بحدّة أكبر.



