كُتّاب وآراء

مشروعية الخطاب الأمازيغي: الواقع والتاريخ والجغرافيا

يستمد الخطاب الأمازيغي، والحركة الثقافية الأمازيغية عمومًا، مشروعيتها من ثلاثة مرتكزات أساسية: الواقع المعيش، والتاريخ، والجغرافيا. وهي مرتكزات لا يمكن القفز عليها أو تجاهلها في أي نقاش جاد حول الهوية المغربية.

الأمازيغية في الواقع المعاصر

ما يزال الإنسان الأمازيغي حاضرًا بقوة في الواقع المغربي إلى يومنا هذا، في المدينة والبادية، القرية والجبل، السهل والصحراء، كما نجده منتشرًا في مختلف بقاع العالم من أوروبا وأمريكا إلى روسيا وغيرها. ورغم تحولات الزمن، ظل الأمازيغي حاملًا لثقافته ولغته وقيمه.

وتحتل المرأة الأمازيغية مكانة محورية منذ فجر التاريخ؛ فقد قادت وحكمت وأسهمت في تطوير الزراعة وبناء المجتمع. وتعكس اللغة الأمازيغية هذا الاعتبار من خلال مفهوم “تمغارت”، وهو مؤنث “أمغار”، ويقابله في العربية الشيخ أو الحاكم. فالمرأة الأمازيغية ليست فقط ربة أسرة، بل مربية ومعلمة وناقلة للذاكرة الجماعية، تحكي للأطفال قصصًا ضاربة في عمق التاريخ، ولو تم إدماج هذا التراث الشفهي في المنظومة التربوية لشكّل رافدًا تربويًا وثقافيًا غنيًا ومتجذرًا في البيئة السوسيوثقافية للمتعلمين.

الأمازيغ في التاريخ المغربي

تؤكد كتب التاريخ، القديمة والمعاصرة، أن الأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال إفريقيا، وهو معطى ثابت لا يقبل الجدل. كما أن التاريخ المغربي زاخر بأسماء وشخصيات أمازيغية بارزة، من قبيل محمد بن عبد الكريم الخطابي، موحا أوحمو الزياني، عسو أوبسلام، وآيت باعمران، وهي شواهد حيّة على عمق الحضور الأمازيغي في مقاومة الاستعمار والدفاع عن الأرض والكرامة.

الجغرافيا شاهد حي على الأمازيغية

تحمل الجغرافيا المغربية بصمة أمازيغية واضحة، إذ إن غالبية أسماء المدن والقرى والمناطق ذات أصل أمازيغي، مثل:
أكادير، أجدير، تارودانت، أنفا، أكدال، أزيلا، شفشاون، تطوان، طنجة، تاونات، تاوريرت، ورزازات، تنغير، كلميم، طاطا، تزنيت، إيفني وغيرها كثير.

غير أن بعض هذه الأسماء تعرضت للتعريب خلال القرن الماضي، خاصة بعد بروز الدولة الوطنية التي تبنت سياسة تعريب شاملة للزمان والمكان والإنسان، اعتقادًا منها أنها تخدم الوحدة الوطنية، في حين أن الحفاظ على التاريخ والهوية واللغة والثقافة هو أعظم خدمة يمكن تقديمها للوطن والإنسان.

الحركة الثقافية الأمازيغية: نضال مدني وإنساني

تُعد الحركة الثقافية الأمازيغية حركة مدنية مطلبية ذات بعد تاريخي وإنساني، ناضلت منذ نشأتها ضد التهميش والإقصاء والاستبداد الذي طال الأمازيغية والإنسان الأمازيغي. وابتعادها عن الاصطفاف الحزبي الضيق يؤكد انتماءها إلى حركة حقوق الإنسان الكونية، ودفاعها عن الحق في الوجود والاستمرارية والتنوع الثقافي.

وتؤمن الحركة بأن مستقبل المغرب لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء أو الشوفينية، بل على الاعتراف المتبادل واحترام التعدد دون ذوبان أو إكراه.

الأمازيغية والديمقراطية والتنمية

تستمد الحركة الثقافية الأمازيغية مرجعيتها من فلسفة حقوق الإنسان والعلوم الإنسانية، وتلتقي مع حركات عالمية تطالب بإعادة الاعتبار للخصوصيات الثقافية باعتبارها ثراءً للثقافة الإنسانية جمعاء.

ومن هذا المنطلق، فإن الأمازيغية قضية وطنية جامعة، تهم المثقفين والمبدعين والسياسيين والطلبة والأساتذة، خاصة القوى الديمقراطية، لأن لا ديمقراطية حقيقية دون إدماج فعلي للأمازيغية في مختلف المجالات.

ويُعد إدماج الأمازيغية في التعليم، خصوصًا في المراحل الأولى، مدخلًا أساسيًا للتنمية، إذ أثبتت الدراسات التربوية أن التعليم باللغة الأم يعزز الفهم والاستيعاب وبناء الشخصية المتوازنة للطفل، ويشكل شرطًا جوهريًا لنجاح التعلم. كما أن تهميش اللغة والثقافة في المجال الاقتصادي يؤدي بالضرورة إلى تهميش الإنسان نفسه، وهو ما يعرقل أي مشروع تنموي حقيقي.

التعدد الثقافي قوة لا تهديد

لم يسجل التاريخ المغربي أي صراع ناتج عن التعايش بين الأمازيغية وباقي الروافد الثقافية: العربية، الإسلامية، الأندلسية، الإفريقية، والأورومتوسطية. بل إن التعدد الثقافي شكّل دائمًا عنصر قوة وغنى للمغرب. وتؤمن الحركة الثقافية الأمازيغية بأن وحدة المغرب نابعة من تعدده الطبيعي، وقد نجد داخل الأسرة الواحدة روافد ثقافية متعددة، وهو معطى يجب استثماره في التنمية لا اعتباره ضعفًا.

نحو وحدة ديمقراطية حقيقية

إن الوحدة المنشودة اليوم هي الوحدة الديمقراطية القائمة على الاعتراف بالاختلاف واحترامه. ويظل موقع الأمازيغية محوريًا في أي مشروع للتغيير الديمقراطي. لذلك، فإن دعم تنظيمات الحركة الثقافية الأمازيغية والانخراط فيها يُعد خيارًا استراتيجيًا للقوى الحية، نظرًا لمشروعية خطابها وعدالة مطالبها.

وفي المقابل، فإن تبني القومية العروبية كخيار إقصائي يظل اختزالًا إيديولوجيًا يحمل في جوهره بذور الاستبداد، ولا يخدم مستقبل المغرب المتعدد.

Zouhir ⵣⵓⵀⵉⵔ

كاتب وفاعل مدني مدافع عن حقوق الشعب الأمازيغي وهويته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى