كُتّاب وآراء

من حراك الريف إلى مدرجات كأس إفريقيا: حين يعود سؤال الثقة بين الدولة والمواطن

ما جرى خلال إحدى مباريات كأس إفريقيا بالمغرب لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيشه البلاد. فالأمر يتجاوز كونه حادثًا رياضيًا عابرًا، ليعكس اختلالات بنيوية عميقة في العلاقة بين الدولة ومواطنيها، ويعيد إلى الواجهة سؤال التماسك الداخلي وحدود المقاربة الأمنية في تدبير الشأن العام.

إن الدولة، أو ما يُعرف بالمخزن، مطالَبة اليوم بمراجعة جادة لسياساتها وإعادة ترتيب بيتها الداخلي، لأن التماسك المجتمعي يظلّ السدّ الحقيقي في وجه كل التحديات والمؤامرات، داخليًا كانت أم خارجيًا. فالدول القوية لا تُقاس بقدرتها على إسكات الأصوات، بل بقدرتها على الإصغاء لمواطنيها، خصوصًا عندما يكون الاحتجاج سلميًا وحقوقيًا، ويهدف إلى خدمة الصالح العام. غير أن المقاربة السائدة ما تزال، للأسف، أسيرة منطق أمني يُواجَه به كل صوت نقدي، بدل اعتباره شريكًا في الإصلاح ورافعةً للبناء.

ويُعدّ التعاطي مع حراك الريف أحد أبرز الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها الدولة في السنوات الأخيرة. فالحراك لم يكن يومًا ذا نزعة انفصالية، ولا شكّل تهديدًا للوحدة الوطنية، بل انطلق من مطالب اجتماعية وحقوقية واضحة ومشروعة. غير أن الرد الرسمي افتقد للحكمة، ولم يستوعب دروس الماضي ولا خلاصات تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، في وقت لم تندمل فيه بعدُ جراح الريف، ولا تزال ملفات المفقودين المرتبطة بمحطات تاريخية مؤلمة عالقة إلى اليوم.

لقد جرى، بشكل مباشر أو غير مباشر، استحضار الأساليب نفسها التي وُوجه بها الريف في مراحل تاريخية سوداء، من مجزرة بوشتى البغدادي، إلى التحالف ضد عبد الكريم الخطابي سنة 1926، مرورًا بأحداث 1958/1959 و1984. وهو ما يؤكد غياب قطيعة حقيقية مع منطق المعالجة الأمنية للمطالب الاجتماعية، رغم مرور عقود من الخطاب الرسمي حول المصالحة والإنصاف.

وخلال حراك الريف، وبدل فتح قنوات الحوار والاستجابة لمطالب الساكنة، كان الجواب هو الاعتقالات الواسعة، والحصار السياسي والإعلامي والاقتصادي، وإصدار أحكام قاسية وصلت إلى عشرين سنة سجنًا. كما شهدت المنطقة عملية تفريغ بشري غير مسبوقة، تزامنت مع صدور مذكرات بحث في حق عدد من أبناء الريف المقيمين بالخارج، ما أدخل المئات في حالة نفي قسري غير معلن، لا تقل قسوة عن السجن داخل الوطن.

وقد بُرِّر هذا النهج بذريعة “الحفاظ على هيبة الدولة”، غير أن نتيجته كانت تعميق الهوة بين المخزن والريف. بل إن هذا المسار أتاح المجال لبروز تنظيمات سياسية تطالب بالاستقلال، وتستند في خطابها إلى تاريخ جمهورية الريف، لا لأن الريف بطبيعته انفصالي، بل لأن الإقصاء المتواصل يولّد ردود فعل متطرفة. والأخطر أن بعض هذه الأطراف وجدت دعمًا من أنظمة معادية للوطن، استغلت الوضع القائم لتمرير أجنداتها، وهو ما يؤكد أن القمع لا يحصّن الدول، بل يجعلها أكثر عرضة للاختراق.

واليوم، وبعد أن تبيّن كيف كانت تُحاك مؤامرات ضد البلاد، يطرح سؤال جوهري نفسه: من الذي وقف في وجهها؟ أليس هو الشعب الريفي نفسه؟ ذلك الشعب الذي ظلّ في صف الوطن في كل المحطات التاريخية المفصلية، من مقاومة الرومان والوندال، إلى مواجهة الأمويين والعثمانيين، ثم البرتغاليين والإسبان والفرنسيين، وصولًا إلى حرب الرمال وقضية الصحراء. وهي حقائق موثقة في كتب التاريخ ويقرّ بها الخطاب الرسمي نفسه.

فكيف يُعقل أن يُستثمر نضال الريف حين يخدم استمرارية النظام، ثم يُهمَّش ويُعاقَب حين يطالب بحقوقه؟ لقد تغيّر الزمن، وتبدّلت المعطيات، ولم يعد ممكنًا الاستمرار بالأساليب نفسها. وكما يقول المثل: من بنى داره من زجاج لا يرمي الناس بالحجر.

إن استمرار هذه السياسة لا يخدم استقرار الوطن، بل يراكم الاحتقان ويغذّي الإحساس بالظلم والتهميش. فالأمن الحقيقي لا يُبنى بالعصا، بل بالعدالة، ولا بالاعتقالات، بل بالثقة، ولا بإقصاء المواطنين، بل بإشراكهم الفعلي في صياغة مستقبلهم المشترك.

وإذا كان من حلّ حقيقي، فإنه يبدأ بإظهار نية صادقة من طرف الدولة، تُترجم عمليًا عبر إطلاق سراح معتقلي حراك الريف وكافة المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية، ورفع المتابعات القضائية عن أبناء الريف في المهجر، وفتح صفحة جديدة قائمة على مصالحة فعلية لا شكلية.

إن الريف في حاجة إلى تصور جديد للحكم، قائم على الجهوية المتقدمة أو الحكم الذاتي ضمن دولة فدرالية، على غرار تجارب ديمقراطية راسخة كألمانيا وإسبانيا وبريطانيا. فلا يعقل أن منطقة قدّمت تضحيات جسيمة من أجل الوطن، تتحول بعد الاستقلال إلى مجال للتهميش، بينما يُنتظر من أبنائها أن يكونوا دائمًا في الصفوف الأولى للدفاع عن البلاد والمساهمة في اقتصادها دون أن تنعكس تلك التضحيات على تنمية منطقتهم وكرامة سكانها.

فالمصالحة لا تُقاس بالخطابات، بل بالقرارات الشجاعة. والدولة القوية ليست تلك التي تخشى الاعتراف بأخطائها، بل التي تمتلك الجرأة على تصحيحها، لأن في ذلك وحده ضمانة لوحدة الوطن واستقراره ومستقبله.

سعيد ختور

سعيد ختور مزداد بايث سعيذ، فاعل جمعوي وحقوقي، وباحث في الثقافة الأمازيغية. يهتم بقضايا التراث الثقافي والهوية، ويعمل على جمع وتوثيق التراث اللامادي. يكتب الشعر والقصص، وله إسهامات فكرية وإعلامية تُعنى بالتعريف بالثقافة الأمازيغية والدفاع عن الحقوق الثقافية والإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى