تمازيغت

«ينّاير» طائرة جزائرية تحلّق حاملة ذاكرة الأمازيغ

في خطوة لافتة ضمن برنامج تحديث أسطولها الجوي، استقبلت الخطوط الجوية الجزائرية طائرة جديدة من طراز إيرباص A330-900neo، واختارت لها اسمًا غير مألوف في عالم الطيران التجاري: «ينّاير»، رأس السنة الأمازيغية. الطائرة التي وصلت مؤخرًا إلى مطار هواري بومدين الدولي، يُنتظر أن تؤمّن رحلات دولية طويلة المدى، حاملة معها اسمًا يختزل قرونًا من التاريخ والرمزية.

تسمية الطائرات غالبًا ما تمرّ كتفصيل بروتوكولي، لكن اختيار «ينّاير» يخرج عن هذا الإطار. فالاسم، المكتوب بحروف تيفيناغ، لا يمثّل مجرد احتفاء شكلي بالموروث الثقافي، بل يضع أحد أبرز رموز الهوية الأمازيغية في فضاء عالمي، حيث تتقاطع الثقافات وتُقرأ الرموز خارج سياقها المحلي. إنها رسالة تُوجَّه إلى الداخل بقدر ما تُخاطب الخارج.

«ينّاير» ليس مناسبة احتفالية فحسب، بل هو تعبير عن علاقة الإنسان بالأرض، وعن تقويم زراعي شكّل لقرون جزءًا من تنظيم الحياة الجماعية في شمال إفريقيا. وهو أيضًا رمز للاستمرارية التاريخية والقدرة على الحفاظ على الذاكرة رغم التحولات السياسية والاجتماعية. حين يُطلق هذا الاسم على طائرة حديثة، فإن الماضي لا يُستدعى بوصفه حنينًا، بل بوصفه مكوّنًا حيًا في الحاضر.

غير أن الرموز، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لصناعة الوعي. فالكثير من الجزائريين لا يزالون يجهلون المعنى العميق ليّنّاير، أو لا يمتلكون معرفة كافية بحروف تيفيناغ ودلالتها الثقافية. وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف نمنح الرمز محتواه، ونحوّل الاعتراف الشكلي إلى معرفة متجذّرة في التعليم والإعلام والسياسات الثقافية؟

إن إدماج الهوية الأمازيغية لا يتحقق عبر مبادرات معزولة، مهما كانت لافتة، بل من خلال رؤية متكاملة تجعل الثقافة الأمازيغية جزءًا طبيعيًا من الفضاء العام، لا حدثًا موسميًا أو عنوانًا عابرًا. عندها فقط، يصبح اسم «ينّاير» المكتوب على جسم طائرة أكثر من نقش جميل؛ يصبح تعبيرًا صادقًا عن دولة تعترف بتعدّدها وتحوّله إلى قوة.

بين سماء تعبرها الطائرات، وأرض تحفظ الذاكرة، تحلّق «ينّاير» اليوم كاختبار حقيقي لمعنى الاعتراف الثقافي: هل يبقى في حدود الرمز، أم يتحوّل إلى ممارسة يومية تُبنى عليها المواطنة المشتركة؟

هيئة التحرير

موقع إعلامي شامل يُعنى بمختلف المواضيع والأخبار المرتبطة بالريف، إلى جانب المستجدات الوطنية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى