لويزة بوسطاش: امرأة من الريف كسرت الصمت وصنعت الذاكرة

في الريف، تشابهت محن النساء كما تشابهت مسارات الإقصاء والتهميش، لكن ما جمعهن أكثر هو إصرارهن على كسر الحواجز واختراق الممنوع. نساء أثبتن، في زمن كان يُضيّق فيه على المرأة حتى في أبسط أشكال التعبير، أن المرأة الريفية قادرة، رغم القسوة والعراقيل، على التحدي والتفوّق والنجاح في مجالات متعددة، من بينها الأدب والفن، في وقت كان فيه مجرد الحديث داخل المجالس العائلية يُعد تجاوزًا، أما الظهور الفني فكان ضربًا من المستحيل.
رجال في جلباب امرأة
لا تزال الذاكرة تحتفظ بصور أولى العروض المسرحية التي احتضنتها خشبات المدينة، حيث كانت الأدوار النسائية تُجسَّد بالكامل من طرف رجال. في سينما الريف، ودور الشباب، ومقرات الشبيبة والرياضة، بل وحتى داخل بعض مقرات الأحزاب وثانويات المدينة، مثل ثانوية الخطابي والكندي، اعتاد الجمهور رؤية شباب ورجال يرتدون جلباب الأم أو الزوجة أو الأخت أو الحبيبة، ليس اختيارًا فنيًا، بل لأن حضور المرأة كان ممنوعًا تمامًا.
لم يكن تقمّص الأدوار النسائية آنذاك يثير حساسية، لأنه لم يكن هناك بديل آخر. وبعد المسرح، تكرر المشهد ذاته في السينما والتلفزيون. ومع ذلك، تجرأت قلة من النساء على كسر هذا الطوق، ودخول عالم الفن، ليتركن لاحقًا بصمتهن في الذاكرة الريفية، بعضهن تحت الأضواء، وأخريات في الظل، ومنهن من طواهن النسيان.
من بين هذه الأسماء، تبرز ممثلة عصامية خرجت من حي ثازوكاث إمحاراث نواحي الناظور، نقش اسمها في ذاكرة الريف باسم “يمّا لويزة” أو “خاتشي الوازنة”، كما أحب جمهورها الأول تسميتها. اسمها الفني الذي حملته الأعمال المسرحية والسينمائية: لويزة بوسطاش.
فنانة ريفية تعاني اليوم في صمت. أعطت الكثير، وأخذت القليل. والخوف كل الخوف أن يكون نصيبها في النهاية هو التهميش والنسيان.
من هي لويزة بوسطاش؟
لويزة بوسطاش فنانة عصامية من مواليد سنة 1954 بحي ثازوكاث إمحاراث، جماعة آيث شيشار (بني شيكر)، نواحي الناظور. تنحدر من عائلة فلاحية، بسيطة في مظهرها، عفوية في سلوكها، لكنها تحمل في عينيها تحديًا لا يهدأ. امرأة بنت نفسها بنفسها، تبتسم كثيرًا، بينما تخفي في داخلها بئرًا عميقًا من الأحزان.
حرمت من أشياء كثيرة، وربما من كل ما يمت للسعادة بصلة. صادمتها الحياة بعنف، لكنها لم تغرق. قاومت، وصعدت درجات الحياة واحدة تلو الأخرى، إلى جانب زوج آمنت به كما آمن بها، لم يغلق في وجهها بابًا، ولا حاصر حلمًا. دعمها معنويًا وعاطفيًا، وشجعها لتكون امرأة قادرة على العطاء.
ارتدت لويزة قبعات متعددة في اليوم الواحد: امرأة، فنانة، أم، أخت، جدة، وأم لأبناء يُقال إنهم زينة الحياة. غير أن سؤالًا موجعًا يلاحقها دائمًا: هل تزيّنت حياتها فعلًا بأبنائها؟ سؤال يُعيد فتح جرح غياب ابنها مولود، الذي اختفى منذ عشرين عامًا، تاركًا خلفه دموع الانتظار وألم الفقد الذي لا يندمل.
من الحي إلى المعارض
كانت بداياتها مع الرسم منذ طفولتها. لوحات بسيطة بألوان متداخلة، تحولت إلى وسيلة بوح صامت. اختارت الواقع ثيمة لأعمالها، فخرجت لوحاتها من أزقة ثازوكاث إمحاراث إلى معارض محلية ووطنية ودولية، وحصدت جوائز، من بينها الميدالية الفضية بإسبانيا.
سفر في مدى القوافي
لم يكن الرسم عالمها الوحيد. تألقت لويزة بوسطاش أيضًا في الشعر، الذي عشقته منذ طفولتها. كتبت دون تكوين أكاديمي أو إشراف مؤسساتي، مؤمنة أن الموهبة هبة يجب أن تُعطى كما هي. ظلت قصائدها حبيسة بيتها المتواضع، إلى أن التقت صدفة بالأستاذة والفنانة فتيحة بلخير، التي فتحت لها، رفقة الشاعر سعيد الموساوي، باب الملتقيات الشعرية، لتشارك لأول مرة في ملتقى بمدينة مليلية.
غير أن الجرح الأكبر ظل ضياع ديوانها الشعري “ثيمنحنّا”، الذي أرسلته إلى المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ليضيع هناك دون أثر. تقول بحرقة: “أضاعوه… وقتلوا داخلي الرغبة في قول الشعر”. منذ ذلك الحين، صمتت أوراقها، ومزّقت دفاترها، وأحرقت ما تبقى من قصائدها.
من الريشة إلى الركح
بعد الرسم، وبعد الشعر الذي أُطفئ قسرًا، جاء سحر المسرح. تعرّفت على الخشبة، وذاقت حلاوتها، فانطلقت. كان الأستاذ فخر الدين العمراني أول من وضعها على درجة الركح، واكتشف موهبتها التمثيلية، واختارها لمسرحية “أرياز ن واغ”، التي جابت المغرب وأوروبا.
تلتها مسرحية “ربيعة ذبوزيان ذرشواغذ أوليمان”، التي فتحت لها أبواب السينما والتلفزيون بدعم من المخرج شعيب المسعودي، ثم فيلم “سلام ذ-ديميتان” بدعوة من المنتج محمد بوزكو.
منذ التسعينيات، راكمت لويزة رصيدًا فنيًا معتبرًا، شمل مسرحيات وأفلامًا سينمائية وتلفزية ومسلسلات، جسدت فيها شخصيات قريبة من الناس، فأقنعت المشاهد بصدق أدائها وبساطتها، لتصبح “يمّا لويزة” جزءًا من الذاكرة الفنية الأمازيغية.
تكريم… وخوف صامت
حظيت لويزة بوسطاش بتكريمات عديدة داخل المغرب وخارجه، من مؤسسات وجمعيات ومهرجانات مسرحية وشعرية، ونالت جوائز وشواهد تقديرية، من بينها جائزة أحسن ممثلة في مهرجان المسرح الأمازيغي بالدار البيضاء.
ومع ذلك، تعيش اليوم في صمت، وسط واقع فني قاسٍ، يخشى فيه أن تُسدل عليها ستائر النسيان.
هي “خاتشي الوازنة”، الفنانة العصامية، المرأة الريفية التي أعطت الكثير، وأخذت القليل. والخوف أن يكون آخر أدوارها… التهميش.



