الأمازيغية في المغرب: الهوية الحضارية بين الاعتراف والسرديات المتصارعة

في المغرب، لم يعد النقاش حول الأمازيغية مجرد اختلاف ثقافي عابر أو سجال أكاديمي محدود، بل أصبح سؤالاً يمس وجدان الناس ويطرح بجدية في الفضاء العام: ما هو الإطار الحضاري الذي يجمع المغاربة؟ ومن أي عمق تاريخي تتشكل هوية الدولة؟
عندما ألقى الملك محمد السادس خطاب أجدير سنة 2001، بدا وكأن صفحة جديدة تُفتح في تاريخ المغرب الحديث. ذلك الخطاب أسس لمسار الاعتراف الرسمي بالأمازيغية، قبل أن يأتي دستور 2011 ليُرسّمها لغة رسمية إلى جانب العربية. ظن كثيرون أن النقاش قد حُسم، لكن الواقع كشف أن الاعتراف القانوني لم يُنهِ الجدل، بل نقله إلى مستوى أعمق: هل الأمازيغية مجرد مكوّن ثقافي من بين مكونات عدة، أم أنها الإطار الحضاري الذي تشكلت داخله باقي الروافد؟
الدستور أقرّ بالتعددية، لكنه ترك تعريف “الهوية الحضارية العميقة” مفتوحاً للتأويل. وفي السياسة، كل فراغ في التعريف يتحول مع الوقت إلى مساحة تتصارع فيها السرديات. لذلك يستمر التشكيك في العمق الأمازيغي للبلاد، وتُختزل الأمازيغية أحياناً في بعدها الفولكلوري، أو يُتهم المدافعون عنها بخدمة أجندات خارجية، بدل مناقشة الفكرة في بعدها التاريخي والعلمي.
يظهر هذا الجدل بوضوح في النقاش حول منطقة الريف، حيث تُروَّج أحياناً أطروحات تعتبر أن المجال لم يكن أمازيغياً أصيلاً، بل أعادت تشكيله موجات وافدة كالفينيقيين أو الرومان. غير أن المعطيات الأثرية لا تدعم هذه الفرضيات. فالفينيقيون كانوا تجاراً بحريين أقاموا مراكز على الساحل، دون أدلة على استيطان ديمغرافي واسع، والرومان مارسوا حضوراً إدارياً وعسكرياً في إطار مشروع إمبراطوري، دون أن يعني ذلك استبدال السكان المحليين. وفي هذا السياق يشير عالم الآثار المغربي يوسف بوكبوط إلى أن الحديث عن استيطان فينيقي كثيف في المغرب يفتقر إلى الدليل الجنائزي الحاسم، إذ لم تُكتشف مقابر تؤكد وجوداً سكانياً واسع النطاق، وهو عنصر أساسي لإثبات الاستقرار طويل الأمد في علم الآثار.
جوهر الإشكال يكمن في فهم معنى الهوية الأمازيغية نفسها. بالنسبة لكثيرين، هي ليست تصوراً عرقياً مغلقاً ولا ادعاء نقاء سلالي، بل مفهوم ترابي حضاري. الهوية هنا ليست دماً ولا نسباً، بل انتماء إلى مجال جغرافي تشكل عبر آلاف السنين واحتضن كل التفاعلات التي مرّت به. كل من ينتمي إلى هذا المجال هو جزء من هذا التكوين المركب، بصرف النظر عن أصوله البعيدة. الأرض هي المرجعية الجامعة، لا العرق.
المعطيات العلمية الحديثة تعزز هذا الفهم. فاكتشاف أقدم بقايا الإنسان العاقل في موقع جبل إيغود، والتي تعود إلى نحو 300 ألف سنة، أكد عمق الحضور البشري في شمال إفريقيا. كما تشير الدراسات الجينية إلى استمرارية سكانية قوية في المنطقة، مع تداخلات طبيعية عبر العصور، دون وجود دليل على استبدال كامل للسكان. التاريخ هنا ليس سلسلة قطيعات، بل مسار تراكم وتفاعل.
حتى المصطلحات تدخل في صلب هذا النقاش. فاستعمال لفظ “البربر” في بعض الخطابات ليس مسألة لغوية بريئة، بل يحمل حمولة رمزية تتعلق بالاعتراف والكرامة. التسمية في المجال السياسي جزء من تعريف الذات، واللغة تعكس تصورنا لأنفسنا قبل أن تعكس نظرة الآخرين إلينا.
في النهاية، المسألة لا تتعلق بصراع بين مكونات المجتمع المغربي، بل بتحديد الإطار الذي احتضن هذه المكونات جميعاً. الدولة الحديثة تحتاج إلى وضوح في تعريف ذاتها الحضارية، لأن وضوح الهوية لا يناقض التعدد، بل يؤطره. حين تُعرَّف الهوية على أساس علمي وتاريخي وإنساني، تصبح عامل استقرار لا عنصر توتر، وتتحول من ساحة صراع سرديات إلى مساحة اعتراف متبادل داخل وطن واحد.



