بين التنمية والهوية: لماذا لم يُعتمد اسم “بطويا” لميناء الناظور الجديد؟

يشهد الساحل المتوسطي بين إقليمي الناظور والدريوش تشييد أحد أكبر المشاريع المينائية في المغرب، و هو ما سمي ميناء الناظور غرب المتوسط, مشروع استراتيجي من المتوقع أن يعزز مكانة البلاد في سلاسل التجارة البحرية بالمتوسط وإفريقيا.
لكن الحديث حول هذا المشروع لم يقتصر على أبعاده الاقتصادية فحسب، بل امتد إلى جانب رمزي مهم: الاسم التاريخي للمكان.
بطويا… الاسم الذي يحمل ذاكرة المكان
الميناء أُطلق عليه رسميًا اسم “الناظور غرب المتوسط”، بينما يُعرف تاريخيًا في الذاكرة المحلية باسم بطويا. هذا الاسم متجذر في الخرائط، والتقاليد الشفوية، والمجال الجغرافي للمنطقة منذ قرون. وتؤكد الوثائق التاريخية والمراجع البحثية حول الريف أن اسم بطويا ظل مستخدمًا في توصيف الساحل الذي يحتضن المشروع حتى اليوم، ما يجعله أكثر من مجرد تسمية عابرة.
الطوبونيميا… أكثر من مجرد اسم
تُعد الطوبونيميا (أسماء الأماكن) عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على الذاكرة التاريخية والثقافية للشعوب. فالاسم الجغرافي ليس مجرد توصيف إداري، بل هو انعكاس لهوية السكان الذين عمروا الأرض وترسخت فيها ممارساتهم الاجتماعية والاقتصادية عبر الزمن.
تشير الدراسات المتعلقة بالتنظيم المجالي والقبلي بالريف إلى أن الأسماء المحلية تشهد على استمرارية تاريخية حقيقية، وليس مجرد توصيفات ظرفية. وفي هذا السياق، يثير تغييب اسم بطويا لصالح تسمية تقنية وجغرافية عامة تساؤلات حول مكانة الأسماء الأمازيغية الأصلية في السياسات العمومية المتعلقة بالتسمية.
الرسمية الدستورية والأسماء المحلية
ينص الدستور المغربي على رسمية اللغة الأمازيغية باعتبارها رصيدًا ثقافيًا مشتركًا لجميع المغاربة. وتفعيل هذه الرسمية لا يقتصر على التعليم والإدارة فقط، بل يشمل أيضًا حماية وصيانة الأسماء الجغرافية ذات الجذور الأمازيغية.
الحفاظ على الأسماء الأصلية لا يتعارض مع التنمية الاقتصادية، بل يمثل توازنًا بين التطور والاستثمار واحترام الخصوصية الثقافية للمجالات الترابية. فالأدبيات التاريخية تؤكد أن الأسماء المحلية ليست عشوائية، بل جزء من نظام اجتماعي وجغرافي متكامل حافظ على هويته عبر قرون.
مسؤولية التسمية
يقع اقتراح واعتماد أسماء المشاريع الكبرى على مستويات متعددة: من المنتخبين المحليين إلى الجهات الحكومية. وكان من الممكن فتح نقاش عام أو مؤسساتي حول التسمية، ما يتيح استحضار البعد التاريخي والثقافي للمجال قبل اعتماد أي اسم رسمي.
فالاختيارات الرمزية، مثل الأسماء، لها أثر طويل المدى، فهي تؤثر على علاقة السكان بأرضهم وتمثلاتهم لهويتهم المجالية أكثر من القرارات التقنية أحيانًا.
التنمية وهويّة المكان
لا شك أن المشروع المينائي سيؤدي دورًا مهمًا في تنمية المنطقة، إلا أن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الاستثمار أو البنية التحتية، بل أيضًا بمدى انسجامها مع هوية المجال التاريخية.
إعادة الاعتبار للأسماء التاريخية ليست مطلبًا عاطفيًا، بل نقاشًا مشروعًا حول التوازن بين الرؤية الاستراتيجية للدولة والذاكرة المحلية، خاصة عندما تؤكد المراجع التاريخية استمرار استعمال الاسم في توصيف المجال عبر فترات زمنية طويلة.
يبقى السؤال مطروحًا:
هل يمكن للمشاريع الوطنية الكبرى أن تحمل أسماء تعكس عمق المكان الذي تحتضنه؟



