لماذا الجدل حول لغة محمد وهبي؟

لم تمر سوى أيام قليلة على تولي محمد وهبي مهام تدريب المنتخب المغربي، حتى انطلقت بعض الأصوات الإعلامية في التساؤل عن سبب مخاطبته الجمهور بالفرنسية، متسائلين: “كيف لمدرب مغربي ألا يتحدث بالعربية؟”
في الواقع، هذا الجدل يبدو مفتعلًا أكثر منه نقاشًا جادًا. فاللغة في نهاية المطاف ليست سوى وسيلة للتواصل، وليست مقياسًا للنجاح أو الكفاءة. كرة القدم، مثلها مثل أي مجال عالمي آخر، أثبتت أن الإنجازات الحقيقية لا تتعلق بلغات التحدث، بل بالقدرة على قيادة الفريق وتحقيق النتائج.
لكن الغريب في الأمر أن التركيز على لغة المدرب يبدو، عند التدقيق، حجة سطحية لتبرير تحامل أعمق. محمد وهبي من الريف، منطقة طالها التهميش التاريخي مقارنة ببعض المدن الكبرى مثل فاس أو الرباط. وفي بعض الأحيان، يتم توجيه النقد على أساس الانتماء الجغرافي أكثر من الأداء أو الكفاءة.
علاوة على ذلك، قد يكون بعض الإعلاميين والجمهور مستائين من عدم تعيين طارق السكتيوي، المدرب المنحدر من إحدى المدن التقليدية للقرار الرياضي، على رأس المنتخب. هذا يوحي بأن جزءًا من الجدل لا يتعلق باللغة بقدر ما يتعلق بالانتماء الجهوي والسياسي داخل منظومة كرة القدم المغربية. وحتى لو افترضنا أن الفرنسية لغة دخيلة على المجتمع المغربي، فإن الحق الأول لمحمد وهبي في التحدث يعود إلى لغته الأم، الأمازيغية الريفية، باعتباره من الريف ونشأ في بيئة ريفية، وهي مكفولة له قانونيًا كلغة رسمية في البلاد.
مهما كانت التفسيرات والجدالات حول اللغة أو الانتماء الجغرافي أو استبعاد بعض الشخصيات بعينها، تظل المسلمة الوحيدة التي لا جدال حولها هي أن المعيار الحقيقي في كرة القدم هو العمل والإنجاز. محمد وهبي، رغم عدم إتقانه العربية، قاد المنتخبات المغربية إلى أبرز إنجازاتها في السنوات الأخيرة، أبرزها الفوز بكأس العالم للشباب سنة 2025 أمام أقوى المنتخبات العالمية. بالمقابل، تعاقب على تدريب المنتخب عدد من المدربين المغاربة الذين يتقنون العربية، لكن حصيلتهم كانت مخيبة للآمال، إن لم نقل صفرية تقريبًا.
إذا أردنا قراءة الأمور بمنطق العقل، فاللغة ليست معيار النجاح في أي مجال علمي، فما بالك في كرة القدم؟ المعيار الحقيقي هو الأداء على أرض الملعب، والانتصارات التي يسطرها الفريق تحت إشراف المدرب. اللغات، في النهاية، مجرد أدوات للتواصل، لا أكثر ولا أقل. والأمثلة من الواقع الدولي كثيرة: مثل بيب غوارديولا عندما درب بايرن ميونيخ وهو لا يفقه شيئًا في الألمانية، أو جوزيه مورينيو مع تشيلسي عندما قاد الفريق للتربع على عرش أندية أوروبا لسنوات. كل هؤلاء أثبتوا أن النتائج والتخطيط المتميز أهم بكثير من اللغة.
ومع تطور وسائل الترجمة الحديثة يومًا بعد يوم، يمكن أن نجزم أن الحديث عن مشكلة اللغة في عصرنا هذا أمر تافه إلى حد كبير. فحاجز اللغة لم يعد عقبة حقيقية أمام التواصل أو الفهم بين المدرب واللاعبين أو الجمهور، ما يجعل التركيز على اللغة بدل النتائج مجرد تشتيت للانتباه عن الجوهر الحقيقي لكرة القدم: الإنجازات على أرض الملعب.
في النهاية، على الجمهور والإعلام أن يدركوا أن كرة القدم لغة عالمية بحد ذاتها، وأن المدرب الجيد هو من يعرف كيف يحوّل الاشارات إلى خطط، والمهارات إلى إنجازات، بغض النظر عن الانتماء الجغرافي أو اللغة التي يستخدمها.
لذلك دعني اقول لك; “Sit back, relax… And enjoy the show” فابناء الريف الاحرار قد جاءوا الآن ليقودوا السفينة.



