كُتّاب وآراء

حين يتحول النسب إلى مصدر امتياز في المغرب!

في كل المجتمعات، توجد رموز تاريخية وروحية تمنح الناس شعورًا بالانتماء والمعنى. في المغرب، شكّل ما يُعرف بـ“النسب الشريف” حضورًا قويًا في المخيال الجماعي، باعتباره انتسابًا إلى آل بيت النبي ﷺ عبر الحسن بن علي أو الحسين بن علي. وقد حمل هذا الارتباط في وجدان كثيرين معاني المحبة والتوقير، وهو أمر مفهوم في سياقه الديني والروحي غير أن الإشكال لا يبدأ من المحبة ذاتها، بل من طريقة توظيفها.

عبر مراحل من التاريخ، استُخدم النسب أحيانًا كأداة لإضفاء الشرعية السياسية. فقد جعلت الدولة السعدية، ثم الدولة العلوية، من الانتساب الحسني عنصرًا محوريًا في خطابها السياسي، في زمن كان فيه الدين يشكّل المرجعية الجامعة للمجتمع. ويمكن فهم ذلك ضمن سياقه التاريخي، حيث كانت الشرعية الدينية ركيزة أساسية في بناء الدولة داخل مجتمع تقليدي.

لكن هذا لم يكن النموذج الوحيد في تاريخ المغرب. فالدولة المرينية، ذات الأصل الزناتي الأمازيغي، لم تؤسس حكمها على نسب شريف، بل على البيعة المحلية، والتحالفات القبلية، والقوة العسكرية، وبناء المؤسسات. وهذا المعطى يبرز أن مصادر الشرعية في المغرب كانت متعددة ومتنوعة، ولم تكن يومًا حكرًا على منطق السلالة.

هنا يبرز السؤال المعاصر: ما موقع النسب في دولة حديثة تقوم على الدستور والمؤسسات؟

اليوم، لم تعد الدولة تُبنى على العصبية القبلية أو الشرعية الرمزية وحدها، بل على مفهوم المواطنة المتساوية وسيادة القانون. ومع ذلك، لا يزال بعض الفاعلين في المجالين السياسي والدعوي يوظفون فكرة النسب الشريف لاستمالة العواطف وكسب التأييد. وفي بعض الحالات، يحدث خلط بين الانتماء الروحي والانتماء الوطني، حتى يظن البعض أن هويتهم الحقيقية ترتبط بمرجعية سلالية خارج الإطار الوطني الجامع.

تكمن الخطورة حين يُختزل الوطن في سلالة، وتُختزل الهوية في نسب. فالمغرب لم يبدأ مع نسب معين، ولم يتشكل من سلالة واحدة، بل هو حصيلة قرون طويلة من التفاعل الحضاري والثقافي والإنساني. أرضه صنعت أهله، وأهله صنعوا تاريخه، في تنوع غني يشمل روافد متعددة.

في هذا السياق، يشير بعض المفكرين المعاصرين، ومنهم أحمد عصيد، إلى أن مفهوم “النسب الشريف” تحوّل في بعض المراحل إلى آلية رمزية لإنتاج شرعية سياسية ذات حمولة دينية. ويرى هؤلاء أن الإشكال لا يتعلق باحترام آل البيت أو تقديرهم، بل بتحويل هذا الاحترام إلى مصدر امتياز أو أداة لإعادة ترتيب الهوية الوطنية وفق مرجعية سلالية. فالتاريخ المغربي عرف دولًا أمازيغية كبرى، ومنها الدولة المرينية، قامت على سند اجتماعي محلي وبيعة داخلية، لا على شرعية مستوردة أو نسب وراثي.

ينص الدستور المغربي على المساواة بين المواطنين في الحقوق والحريات دون تمييز، وهو مبدأ جوهري في بناء الدولة الحديثة. وأي خطاب يمنح أفضلية رمزية أو معنوية قائمة على السلالة قد يفتح الباب أمام تمييز اجتماعي، حتى وإن لم يكن معلنًا. وحين يتحول النسب إلى أداة نفوذ، يجد المجتمع نفسه منقسمًا بين “أصحاب أصل” و“غيرهم”، في صورة لا تنسجم مع قيم العدالة والمواطنة.

الدين في جوهره لم يأتِ ليؤسس طبقات وراثية، ولم يربط الكرامة الإنسانية بالدم أو السلالة، بل قرر أن معيار التفاضل هو التقوى والعمل، وأن الناس متساوون في أصل الخلقة والكرامة. تحويل النسب إلى وسيلة تعبئة سياسية أو إلى مصدر تفوق معنوي يُحمّل الدين ما لا يحتمله، ويخلق تمييزًا لا يخدم لا الإيمان ولا الوطن.

في العصر الحديث، تُبنى الشرعية على العقد الاجتماعي، وثقة المواطنين في مؤسساتهم، والكفاءة، والمساءلة. التاريخ يُحترم ويُدرّس، لكنه لا يتحول إلى امتياز دائم. والانتماء الروحي يُصان، لكنه لا يعلو على سلطة القانون. الاعتزاز بالأصل حق فردي مشروع، لكن تحويله إلى معيار أحقية في القيادة أو وسيلة تأثير سياسي يُضعف فكرة المواطنة المتساوية. فالدولة الحديثة لا تُدار بالعواطف الوراثية، بل بالقانون والمؤسسات والكفاءة.

الوطن ليس سلالة، بل أرض وتاريخ ولغة وثقافة وذاكرة جماعية. وكل من وُلد فيه، أو عاش على أرضه، أو ساهم في بنائه، هو جزء أصيل منه، لا يحتاج إلى نسب ليُثبت انتماءه.

إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة المتساوية لا تعني الطعن في أحد، بل حماية الجميع من منطق الامتياز. فعندما يسود القانون على النسب، ويعلو العدل على السلالة، يشعر كل فرد أن هذا الوطن له، لا بالوراثة، بل بالحق. وهذا هو الأساس الذي تُبنى عليه الأوطان القوية: إنسان حر، مواطن كامل الحقوق، شريك في المصير والمسؤولية، لا تابع لسلالة ولا خاضع لهالة.

سعيد ختور

سعيد ختور مزداد بايث سعيذ، فاعل جمعوي وحقوقي، وباحث في الثقافة الأمازيغية. يهتم بقضايا التراث الثقافي والهوية، ويعمل على جمع وتوثيق التراث اللامادي. يكتب الشعر والقصص، وله إسهامات فكرية وإعلامية تُعنى بالتعريف بالثقافة الأمازيغية والدفاع عن الحقوق الثقافية والإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى