كُتّاب وآراء

مسلسل أفاذار: حين تفقد الدراما لغتها وهويتها

في البداية، كل شيء يبدو واعدا، فالإعلان التشويقي لمسلسل أفاذار يعطي إحساسا بالتطور ويعد بتجربة أفضل من الماضي، الصورة جميلة والإضاءة جذابة وكل شيء يوحي بالمجهود، لكن هذا الانطباع لا يدوم طويلًا. بمجرد مشاهدة الحلقة الأولى، تبدأ الحقيقة في الظهور، فالقصة تبدو مفككة والأحداث غير مقنعة وكأنها لا تمسك بخيط واضح، وأكثر ما يلفت الانتباه ليس فقط ضعف السيناريو، بل أخطاء المونتاج الصارخة والمليئة بالثغرات التي يصعب تجاهلها، والحوار الهجين اللذي يعكس بجلاء غربة اللغة الأم، حيث يحكي المسلسل بلغة لا تشبهنا ولا تحمل هويتنا ولا تعكس طريقة حديثنا اليومية، تشعر وكأنه مكتوب في مكان آخر وبلغة أخرى ثم تُرجم ووضع على لسان شخصيات من المفترض أنها قريبة منا.

وهنا تبدأ المشكلة الجوهرية، فاللغة في الدراما ليست مجرد كلمات، بل هي إحساس وهوية. حين لا تكون اللغة صادقة، يفقد العمل جزءا كبيرا من روحه، و حتى الممثل مهما كان مجتهدا يجد نفسه محاصرا. كيف يمكنه أن يقنعنا بشخصية وهو يتعثر في لغتها؟ كيف ينقل مشاعر حقيقية بكلمات لا يشعر بها؟ في كثير من اللحظات، يبدو الصمت أصدق من بعض الحوارات التي تُقال بنبرة متكلفة. ويبدو الأداء التمثيلي نفسه مترددا وكأن الممثلين غير مرتاحين داخل أدوارهم، وقد لا يكون الخطأ خطأهم بالكامل، بل نتيجة غياب توجيه حقيقي يفهم اللغة ويشعر بها، لأن الإخراج في النهاية ليس مجرد حركة كاميرا، بل فهم عميق لما يُقال وكيف يُقال. والمشكلة تتفاقم عندما يكون المخرج أصلا لا ينتمي إلى نفس منطقة الممثلين ولا يجيد لغتهم، مما يجعل مهمة توجيه الأداء أصعب وأحيانا مستحيلة.

ومن هنا نصل إلى سؤال أكبر، كيف يمكن لمخرج لا يفهم اللغة أن يوجه ممثلين يتحدثون بها؟ وكيف يمكن لكاتب لا يعيش هذه الثقافة أن يكتب عنها بصدق؟

هنا لا نتحدث فقط عن مسلسل ضعيف، بل عن مشكلة مؤسساتية أعمق تتعلق بكيفية إنتاج هذه الأعمال ومن يقف وراء الانتقائات أو التعيينات. الأمر المؤلم أن الكفاءات موجودة من أبناء الريف، هناك كتاب ومخرجون وممثلون يعرفون تفاصيل لغتهم وثقافتهم الصغيرة والكبيرة، ومع ذلك يتم تجاهلهم، بينما تُمنح الفرص لآخرين قد لا يمتلكون نفس الكفاءة أو القرب من هذه البيئة، وهذان العاملان هما أساس نجاح أي عمل درامي.

هذا ليس مجرد مسلسل سيء، بل كشف لمشكلة أعمق، فهو يعكس تجاهل المسؤولين عن القناة الأمازيغية للتمثيل الثقافي الحقيقي والعادل، إذ تشير المعلومات ان مسلسل أفاذار أُنتج بواسطة كاتب سيناريو “عربي” ومخرج “عربي”، مما حول العمل الأمازيغي إلى إنتاج يُعرض عبر عدسة دخيلة. وينفذه أشخاص لا يستطيعون التواصل مع طاقم التمثيل بلغتهم الأم. والأمر لا يقتصر على هذا العمل فقط، فهناك أعمال أمازيغية أخرى من مناطق مختلفة يُفرض فيها المخرج من قبل المنتج على حساب مخرجين محليين من نفس المنطقة.

إلى جانب ذلك، أيقونة أي عمل درامي هي اللغة، فهي تمنح الشخصيات عمقها وملامحها وهويتها وتجعلها حية وقادرة على الإقناع. فالسيناريو هو اللبنة الأولى في بناء أي عمل، وحين يكتب السيناريست حواراته بلغة لا يعرف مفاتيحها تتحول هذه الحوارات إلى عبارات متعثرة، وتُرتكب أخطاء فادحة في حق اللغة تشبه المجازر الصامتة و تم استبدال المفردات الريفية بمصطلحات عربية بشكل مبالغ. أما إذا كان الممثل غير متمكن من لغة شخصيته، يصبح الأمر أكثر إحراجا وإرباكا، فكيف لممثل أن يجسد شخصية لا يتقن لغتها؟ لغة الحوار لا تقل أهمية عن أداء الممثل أو حركاته وتنقلاته أمام الكاميرا، بل هي جزء أساسي من بناء الشخصية وصدقيتها. ولهذا، قد يكون الصمت أحيانا أصدق من حوار يُقال بلسان متكلف أو بإيقاع أعوج أو بكلمات مستوردة لا تفيد المعنى. وقد رأينا بالفعل العديد من التدوينات والتعاليق من خبراء و نقاد امازيغ في مجال السينما التي تدق ناقوسالخطر لما تتعرض له اللغة الأمازيغية في بعض الأعمال الدرامية من تشويه وتحريف على ألسنة ممثلين غير متمكنين من اللغة و احيانا دخلاء على هوية العمل ينتج عن ذلك ارتباك لغوي وحوارات هجينة تفقد قوتها وعمقها، مما يضعف الشخصية ويقلل من تأثيرها أمام الجمهور ويبعدها عن سياقها الطبيعي. هذا دون الحديث عن عنصر آخر جوهري وهو الموسيقى التصويرية، فالمسلسل كان يفترض أن يعكس التراث والهوية الريفية، لكنه فشل في ذلك، إذ اعتمد على موسيقى لا تنتمي تماما للمنطقة.

لذلك، يصبح من الضروري على كل ممثل او مخرج أن يعتني بعنصر اللغة، وأن يجتهد في حمايتها و تطويرها ان أمكن ، فهي الأساس الذي يمنح العمل الفني صدقيته وواقعيته وأصالته. في النهاية، الدراما او اي عمل سنمائي ليس مجرد ترفيه، بل هي مرآة للناس وبيئتهم، وصوت لثقافتهم، ووسيلة للحفاظ على لغتهم. وإذا فقدت هذه العناصر، تتحول إلى صورة جميلة لكنها وعاء فارغ المحتوى. وربما مسلسل “أفاذار” ليس المشكلة بحد ذاته، بل مجرد مثال يذكرنا بأن اللغة ليست تفصيلا يمكن تجاوزه، بل هي أساس كل شيء، وأي عمل لا يحترم هذه الحقيقة مهما بدا جميلا من الخارج سيظل فاقدا لجوهره من الداخل.

Zouhir ⵣⵓⵀⵉⵔ

كاتب وفاعل مدني مدافع عن حقوق الشعب الأمازيغي وهويته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى