حتى في الموت لا يُغفَر للريفي: محمد بودهان خارج التعزية الرسمية

ليس غياب التعزية الرسمية في وفاة الفيلسوف والمفكر الأمازيغي الريفي محمد بودهان مجرد تفصيل بروتوكولي أو سهو إداري، بل هو حدث ذو دلالة سياسية ورمزية عميقة، يكشف من جديد طبيعة الانتقائية التي تحكم اشتغال المخزن، وبالضبط تلك الأجهزة التي تملك سلطة تقرير من يُعزّى باسم الملك، ومن يُقصى حتى بعد الموت.
المفارقة الصادمة أن المخزن نفسه يعترف، في خطابه الرسمي، بأن الريف كان دائمًا وقاءً للوطن، وخط الدفاع الأول عنه في مواجهة الاستعمار، وأن أبناءه كانوا سبّاقين إلى المقاومة، وقدموا الغالي والنفيس دفاعًا عن الدولة ووحدة الأرض.
وهو توصيف تاريخي صحيح لا يمكن إنكاره.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
إذا كان الريف يحتل هذه المكانة في الذاكرة الرسمية، فلماذا يُقصى رموزه الفكرية من أعلى أشكال الاعتراف الرمزي للدولة؟
ولماذا تُمنح التعزية الرسمية في حالات بعينها، بينما تُحجب عن مفكر من حجم محمد بودهان، رغم أنه لم يكن خصمًا للدولة ولا معاديًا للمؤسسة الملكية؟
بل إن المفارقة أعمق من ذلك.
فمحمد بودهان لم يكن مجرد مدافع عن الأمازيغية كثقافة أو هوية، بل كان مفكرًا قدّم تصورًا فلسفيًا وسياسيًا للدولة. في نصوصه ومداخلاته، شدد على أن الأمازيغ تاريخيًا كانوا ملكيين، لا من باب التبعية، بل باعتبار أن الملكية كانت جزءًا من التنظيم السياسي الأمازيغي منذ أقدم الدول، قائمة على الشرعية الترابية وحماية الجماعة، لا على الغلبة أو القهر.
وذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن المخزن، في بنيته العميقة، ورث الكثير من منطق الدولة الأمازيغية: مركزية الأرض، رمزية السلطة، والشرعية المستمدة من الاستمرارية التاريخية.
بهذا المعنى، لم يكن بودهان مفكر هوية فقط، بل مفكر دولة، ومن داخل هذا المنظور دافع عن الملكية باعتبارها امتدادًا تاريخيًا لا قطيعة مع العمق الأمازيغي.
ومع ذلك، حين رحل، سقط اسمه من حسابات التعزية الرسمية.
وهنا لا يتعلق الأمر بالتقليل من قيمة أي شخصية أخرى حظيت بتعزية ملكية، فكل من خدم المجتمع في مجاله يستحق الاحترام والتقدير الإنساني.
لكن المقارنة تصبح مشروعة عندما نتحدث عن ميزان الاعتراف الرمزي، وعن المعايير التي يعتمدها المخزن في تحديد من يُستحضر اسمه في لحظة الموت، ومن يُطوى في صمت.
ما يكشفه هذا الغياب هو أن داخل المخزن جهة تشتغل ضد كل ما هو ريفي أمازيغي، جهة لا تزال تنظر إلى الريف بوصفه مجالًا يجب ضبطه لا الاعتراف به، ورافدًا يُستدعى عند الحاجة ثم يُعاد تهميشه حين يتعلق الأمر بالرمزية والذاكرة.
لقد قالها أحد رموز الريف بوضوح منذ عقود، وتحديدًا في خمسينات القرن الماضي، في لحظة تشكّل الدولة المغربية الحديثة نفسها:
“نحن والمخزن على طرفي نقيض”
— محمد سلام أمزيان
وما نراه اليوم يؤكد أن هذا التناقض لم يُحل، بل جرى تغليفه بخطابات عن الإنصاف والمصالحة، دون أن يُترجم إلى ممارسات حقيقية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالاعتراف بالريف ورموزه الفكرية.
إن تغييب محمد بودهان من التعزية الرسمية ليس إساءة لشخصه فقط، بل رسالة سلبية لكل فكر أمازيغي ريفي اختار الدفاع عن الدولة بدل معاداتها. رسالة مفادها أن المخزن لا يكافئ الفكر، ولا يعترف إلا بما يخدم صورته الآنية، حتى وإن كان ذلك على حساب ذاكرة فكرية ستبقى للتاريخ، وربما للأبد.
وهكذا، يتأكد مرة أخرى أن الريف، رغم كونه وقاءً للوطن، لا يُنظر إليه داخل المخزن إلا من زاوية واحدة:
زاوية المصلحة المرتبطة بالعرش، لا بكرامة الريف، ولا باعتراف حقيقي بدوره التاريخي، ولا بإنصاف رموزه الفكرية.


