الامازيغية : الهوة بين الاستغلال الانتخابي والتفعيل الرسمي

كلما اقتربت الانتخابات في المغرب، يحدث امر يكاد يصبح طقسا سياسيا مألوفا: تستيقظ الاحزاب فجأة على “القضية الامازيغية”. فجأة تصبح الامازيغية موضوع خطاباتها ووعودها، ويقدم بعض السياسيين انفسهم كمدافعين عنها. لكن ذاكرة المغاربة ليست قصيرة الى هذا الحد، فالتاريخ القريب ما زال حاضرا في الذاكرة الجماعية.
فالكثير من هذه الاحزاب نفسها كان، لعقود طويلة بعد الاستقلال، جزءا من منظومة سياسية وثقافية حاربت الامازيغية بشكل مباشر او غير مباشر. فقد استوردت الاحزاب ونخبها مشروعا يقوم على مرجعية لغوية وثقافية غير وطنية مستمدة من الفكر القومي العربي، وروجت لخطابات سياسية استعملت ما سمي بـ “الظهير البربري” لتقديم الامازيغية في صورة تهديد للوحدة الوطنية، وهو ما حول هذا المصطلح مع مرور الزمن الى اتهام يلاحق كل خطاب يدافع عن الامازيغية. كما انطلقت هذه الاحزاب من اطروحات ايديولوجية كانت تزعم ان الامازيغ تعود اصولهم الى اليمن او بلاد الشام، وليسوا سكانا اصليين لهذه الارض. وقد استخدمت هذه السردية لتبرير تبني الفكر القومي العربي ومحاولة فرض العروبة باعتبارها “عودة الى الاصل”، في اطار مشروع سياسي اوسع سعى الى صهر المجتمعات في تصور يقوم على فكرة وطن عربي واحد، بلغة واحدة وشعب واحد.
لم يكن الامر مجرد نقاش فكري، بل ترجم الى سياسات ملموسة داخل الدولة. فمشاريع التعريب التي طبقت في المدرسة والادارة والاعلام لم تكن مجرد اختيارات لغوية معزولة، بل كانت جزءا من مشروع سياسي اوسع سعى الى اعادة تشكيل هوية البلاد وفق تصور ثقافي وافد فرض عبر قرارات ممنهجة. وقد تعزز هذا التوجه بعد انضمام المغرب الى الجامعة العربية سنة 1958، حيث تبنت الدولة، بدرجات متفاوتة، بعض التصورات الفكرية السائدة آنذاك داخل الفضاء القومي العربي، والتي كانت تدعو الى توحيد المجال الثقافي واللغوي للدول الاعضاء. وفي هذا السياق روج لخطابات تتحدث عما سمي بـ “تطهير اللسان المغربي”، في تعبير يعكس بوضوح الرغبة في ازاحة لغة الارض ولسان الشعب الاصيل، الامازيغية، لصالح تصور لغوي وافد.
وفي هذا السياق تم استقدام اساتذة من بعض الدول العربية للمساهمة في اعادة تشكيل الحقل التعليمي وفق هذا التصور. وفي المقابل تعرضت لغة الارض ولسان الشعب الاصيل، الامازيغية، لاقصاء متعمد وممنهج من المدرسة والادارة والجامعة والاعلام والمرافق الثقافية لعقود طويلة.
غير ان ما تعرضت له الامازيغية لم يكن مجرد نتيجة لاختيارات ثقافية عفوية، بل كان في جوهره مشروع دولة تم تنزيله عبر قرارات سياسية ممنهجة هدفت الى استيراد لغة وثقافة وهوية من خارج السياق الوطني ومحاولة فرضها على المجتمع الامازيغي. كما ان الاعتراف الرسمي بالامازيغية لم يات نتيجة تحول طبيعي في قناعات النخب السياسية، بل جاء في سياق تخوف من تنامي الاحتقان داخل المجتمع ومن احتمال تحول القضية الامازيغية الى انفجار اجتماعي. ومع ذلك، ورغم دسترة الامازيغية، فان مسار ادماجها ظل محدودا في الواقع، اذ لم يواكبه ادماج فعلي داخل مختلف مؤسسات الدولة، كما لم يتم دعمه بمعادلة مجالية حقيقية تضمن عدالة لغوية وثقافية بين مختلف مناطق البلاد.
ورغم كل ذلك لم تختف الامازيغية. فقد بقيت حاضرة في المجتمع وفي الذاكرة الجماعية، الى ان تحولت منذ سبعينيات القرن الماضي الى مشروع نضالي وثقافي قادته الحركة الامازيغية داخل الجامعات والجمعيات الثقافية.
وهنا تكمن حقيقة غالبا ما يتم تجاهلها:
الامازيغية لم تدخل الدستور بقرار سياسي، بل فرضتها الحركة الامازيغية بسنوات طويلة من النضال الفكري والثقافي. فالاعتراف الدستوري بالامازيغية سنة 2011 لم يكن هدية سياسية، بل نتيجة مسار طويل من الضغط المدني والفكري.
ومع ذلك فان الفجوة بين النص الدستوري والواقع ما تزال واضحة. فالتفعيل الفعلي لرسمية الامازيغية لا يزال بطيئا في التعليم والادارة والاعلام، رغم وجود الاف المتخرجين والمتخصصين في تدريسها، يفرض على كثير منهم تدريس مواد اخرى، رغم ان جلهم درسوا الامازيغية عن قناعة وتلقوا تكوينا متخصصا فيها، بل ان بعضهم حاصل على شهادة الماستر ولديه الرغبة في تدريسها بدل مواد اخرى.
لكن القضية في جوهرها اعمق من مجرد لغة.
فالامازيغية تمثل الجذر اللغوي والتاريخي الاقدم لشمال افريقيا. اما العربية والفرنسية فقد دخلتا الى المغرب في سياقات تاريخية وسياسية لاحقة: الاولى مع الفتح الاسلامي وما رافقه من مكانة دينية واحترام حضاري، والثانية فرضت خلال المرحلة الاستعمارية. وقد اصبحت اللغتان جزءا من الواقع اللغوي اليوم، لكن ذلك لا يلغي ان الامازيغية تمثل لغة الارض ولسان الشعب الاصيل.
ويسند هذا العمق التاريخي ما توصلت اليه الابحاث الحديثة في علم الحفريات وعلم الجينات. فالاكتشافات الاثرية، مثل بقايا انسان ادرار ن ايغود التي يعود تاريخها الى اكثر من 300 الف سنة، تشير الى ان شمال افريقيا يمثل احد اقدم مواطن الانسان العاقل. كما تظهر الدراسات الجينية وجود استمرارية سكانية قوية في المنطقة منذ عصور ما قبل التاريخ اي ان سكان هذه المنطقة لم يكونوا مجرد امتداد ديمغرافي لجهات اخرى، بل يمثلون استمرارية بشرية في هذا الفضاء منذ الاف السنين.لهذا فان النقاش حول الامازيغية لم يعد مجرد نقاش لغوي، بل اصبح سؤالا سياسيا يتعلق بطبيعة الدولة نفسها.
فبعد دسترة الامازيغية وتعثر تفعيلها، وبعد منع تأسيس احزاب ذات مرجعية امازيغية من المشاركة في الحياة السياسية، بدأت داخل الحركة الامازيغية نقاشات جديدة حول ضرورة الانتقال من مجرد المطالبة بالحقوق الى التفكير في امزغة الدولة، اي بناء دولة تعكس الحقيقة التاريخية والثقافية للمغرب.
فالامازيغية ليست شعارا انتخابيا، ولا قضية موسمية تظهر مع الحملات الانتخابية ثم تختفي بعدها، بل هي تعبير عن تاريخ هذه الارض ولسان شعبها وركيزة من ركائز هويتها.
انها سؤال تاريخي وسياسي يتعلق بهوية الدولة نفسها.
ولهذا فان السؤال الحقيقي اليوم ليس:
من يتحدث باسم الامازيغية في موسم الانتخابات؟
بل:
اي دولة يريدها المغاربة؟
دولة تعترف بتاريخها العميق وصلب هويتها التي تستمدها من الارض، مع احترام التعدد الثقافي… ام دولة لا تتذكر الامازيغية الا عندما تقترب صناديق الاقتراع؟



