نفق المغرب إسبانيا يعود للواجهة مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية حول العالم، خصوصًا في ممرات التجارة الحيوية مثل مضيق هرمز، تعود الأنظار نحو مشروع طموح قد يغير خريطة التجارة العالمية: نفق سككي بحري يربط بين المغرب وإسبانيا تحت مضيق جبل طارق.
هذا المشروع، الذي يُوصف بأنه جسر المستقبل بين إفريقيا وأوروبا، ليس وليد اليوم، بل تعود فكرته إلى اتفاق وُقّع سنة 1979 في مدينة فاس. لكن في السنوات الأخيرة، عاد بقوة إلى الواجهة مع تسارع الخطط بين الرباط ومدريد، في ظل الحاجة المتزايدة لإيجاد بدائل آمنة للممرات البحرية المهددة.
النفق المقترح سيمتد على نحو 42 كيلومترًا، منها حوالي 27 كيلومترًا تحت البحر، ليربط بين منطقة بونتا بالوما جنوب إسبانيا ومالاباطا قرب طنجة. وسيتكون من خطين للسكك الحديدية مخصصين لنقل المسافرين والبضائع، مع زمن عبور لا يتجاوز 30 دقيقة فقط.
تكلفة المشروع تُقدّر ما بين 15 و20 مليار يورو، في حين قد تتجاوز حصة إسبانيا وحدها 8.5 مليار يورو. ورغم ضخامة الرقم، يرى خبراء أن العائد الاستراتيجي قد يكون أكبر بكثير، إذ سيساهم في تحويل شمال إفريقيا إلى مركز لوجستي عالمي يربط الإنتاج الإفريقي مباشرة بالأسواق الأوروبية.
الاهتمام المتجدد بالمشروع لا يأتي من فراغ. فمع تصاعد المخاطر في الممرات التقليدية، بدأت الدول تعيد التفكير في سلاسل الإمداد العالمية. أي اضطراب طويل في مضيق هرمز، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ما يدفع إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا.
في هذا السياق، يبرز مضيق جبل طارق كخيار استراتيجي، خاصة أنه يعد أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، حيث تعبره يوميًا نحو 300 سفينة، كما يشكل الرابط الطبيعي الوحيد بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.
ورغم الإمكانيات الكبيرة، لا يخلو المشروع من تحديات. فالظروف الجيولوجية في المنطقة معقدة، إذ يصل عمق المضيق إلى نحو 900 متر في بعض النقاط، إضافة إلى النشاط الزلزالي المرتبط بفالق الأزور–جبل طارق. ولهذا تم التخلي سابقًا عن فكرة بناء جسر، لصالح نفق عميق يمر عبر منطقة “كامارينال سيل” على عمق يقارب 475 مترًا تحت سطح البحر.
تقنيًا، تشير دراسات حديثة إلى أن المشروع قابل للتنفيذ باستخدام التكنولوجيا الحالية، مع توقع إعداد التصاميم النهائية في السنوات المقبلة، وربما الحصول على الموافقات بحلول 2027. أما بدء الأشغال، فقد يكون بعد عام 2035، في حال تأمين التمويل والاتفاقات اللازمة.
إذا رأى هذا المشروع النور، فلن يكون مجرد نفق، بل تحولًا استراتيجيًا يعيد رسم طرق التجارة، ويمنح إفريقيا موقعًا أكثر قوة في سلاسل الإمداد العالمية، في عالم يبحث بشكل متزايد عن الأمان والاستقرار في زمن الأزمات.



