صوت و صورة

مستشفى الحسني بالناظور… حين تتحوّل المرافق الصحية إلى مأوى للقطط

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة مقطع فيديو صادم، يوثّق وضعًا غير إنساني داخل مستشفى الحسني بمدينة الناظور، حيث تظهر مجموعة من القطط تتجوّل داخل غرف الاستشفاء، في مشهد لا يسيء فقط لصورة المرفق الصحي، بل يطرح سؤالًا عميقًا حول قيمة الإنسان في المدينة والإقليم،.

وضع بنيوي يعكس مستوى الإهمال الذي وصل إليه هذا المستشفى، الذي يُفترض أن يكون مؤسسة للعلاج، للكرامة، ولحماية حياة المواطنين.
حين تصبح هذه الغرف البئيسة فضاءً تتعايش فيه الحيوانات مع المرضى، فهذا دليل واضح عن عدم توفرأدنى شروط من الرعاية الصحية.

المفارقة المؤلمة أن هذا الواقع يأتي في وقت تشهد فيه مناطق أخرى من المغرب تشييد مستشفيات جامعية كبرى، ومراكز استشفائية بمعايير دولية، مجهزة بأحدث الآليات والمعدات الطبية، وطاقم بشري مؤهل، وكأننا أمام بلدين داخل بلد واحد: مغرب يستثمر في صحة مواطنيه، ومغرب آخر تُترك فيه المستشفيات لتتحول إلى بنايات مهجورة بلا روح ولا وظيفة.

علما أن مدينة الناظور نفسها تعرف منذ أكثر من عقد من الزمن مشروع تشييد مستشفى جديد، أُعلن عنه مرارًا، ووُضعت له الميزانيات، لكنه ظلّ إلى اليوم ورشًا متعثرًا، بلا تاريخ افتتاح، وبلا مساءلة حقيقية حول أسباب هذا التأخر.
، تم تشييد مستشفيات كبرى في مناطق أخرى من المغرب في زمن قياسي لم يتجاوز أحيانًا سنة واحدة، في مفارقة يصعب تفسيرها بالمنطق الإداري أو التقني.

هذا التأخر غير المبرر لا يبدو استثناءً، بل خاصية تكاد تكون حكرًا على الريف. فالأمر لا يقتصر على قطاع الصحة فقط، بل يتكرر في مشاريع البنية التحتية الأساسية. ولعل مثال المحطة الطرقية بالناظور خير دليل، حيث انتظرت السكانة ستة عشرة سنة كاملة لفتحها، ولم تُفتح إلا بعد حملة ضغط واسعة، عجّلت بتدشينها لأسباب ظرفية، لا احترامًا لحق الساكنة، ولا التزامًا بجدول زمني.

وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
لماذا تتحول المشاريع في الريف إلى أوراش أبدية؟
ولماذ ا تعاقَب الساكنة بالانتظار، بينما تُنجَز نفس المشاريع في مناطق أخرى بسرعة لافتة؟

الريف ليس جهة هامشية في تاريخ هذا البلد، بل منطقة قدّمت تضحيات جسيمة، عبر نضالات متراكمة، من المقاومة ضد الاستعمار، إلى الاحتجاجات الاجتماعية السلمية في العقود الأخيرة. وكان آخر هذه المحطات حراك الريف، الذي خرج فيه المواطنون بمطالب اجتماعية واضحة وبسيطة: مستشفى يليق بالمرضى، تعليم، شغل، وبنية تحتية تحفظ كرامة الإنسان.

لكن بدل الاستجابة لهذه المطالب المشروعة، كان الرد هو الاعتقال، والأحكام القاسية التي وصلت إلى عشرين سنة سجنًا، والتهجير، والتضييق، دون أن تتحقق إلى اليوم ولو جزئيا تلك المطالب التي خرج الناس من أجلها.

الأكثر إيلامًا أن نفس المطالب التي رُفعت في الريف، تحققت لاحقًا في مناطق أخرى دون أي نضال، ودون أي حراك، ودون أي ثمن اجتماعي أو سياسي. تحققت بهدوء، كأنها امتياز طبيعي ناتج عن مطالب سكان الريف، بينما في الريف كان ثمن المطالبة بها هو السجن والتهميش.

فأي منطق هذا؟
هل أصبح النضال جريمة؟
وهل تحوّل الحق في الصحة إلى تهمة؟
ولماذا يُكافأ الصمت في مناطق، ويُعاقَب الاحتجاج السلمي في مناطق أخرى؟

إن ما يكشفه فيديو مستشفى الحسني بالناظور، ومعه تعثّر المستشفى الجديد، وتأخر المحطة الطرقية، ليس مجرد اختلالات قطاعية، بل نمطًا ممنهجًا من الإقصاء والتعطيل، يعكس خللًا عميقًا في العدالة المجالية، وفي نظرة الدولة إلى الريف كمجال يجب ضبطه أمنيًا لا إنصافه اجتماعيًا.

إن السؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا المشهد المؤلم هو:
إلى متى سيبقى الريف يدفع ثمن المطالبة بحقوقه؟
وإلى متى ستظل صحة وكرامة الإنسان الريفي في أسفل سلّم الأولويات؟

هذا ليس سؤالًا عاطفيًا، بل سؤال دولة وعدالة.
وسيبقى مطروحًا ما دامت مشاريع الريف تُؤجَّل، وتُعطَّل، وتُنجَز فقط تحت الضغط، لا باعتبارها حقًا مشروعا.


سعيد ختور

سعيد ختور مزداد بايث سعيذ، فاعل جمعوي وحقوقي، وباحث في الثقافة الأمازيغية. يهتم بقضايا التراث الثقافي والهوية، ويعمل على جمع وتوثيق التراث اللامادي. يكتب الشعر والقصص، وله إسهامات فكرية وإعلامية تُعنى بالتعريف بالثقافة الأمازيغية والدفاع عن الحقوق الثقافية والإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى