الريف والمخزن في عهد العلويين: قراءة جديدة تعيد طرح أسئلة التاريخ المغربي

يقدم كتاب “الريف والمخزن على عهد العلويين: رصد لعلاقات السلاطين العلويين مع أهل الريف، من قيام الدولة العلوية إلى سقوط بوحمارة”، لصاحبه محمد المهدي علوش، قراءة مختلفة للتاريخ المغربي، تعيد طرح سؤال علاقة الريف ببناء الدولة العلوية من زاوية تتجاوز السردية المدرسية التقليدية.
فبينما رسّخت الكتابات التاريخية الأكثر انتشاراً تصوراً يركز على انطلاق الدعوة العلوية من تافيلالت، مع مرور سريع بمناطق أخرى مثل تازة، يأتي هذا العمل ليقترح رؤية مغايرة تُبرز حضور الريف كفاعل أساسي في لحظات تأسيسية من تاريخ الدولة. ومن هنا، فإن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في إعادة سرد الوقائع، بل في دفع القارئ إلى إعادة التفكير في بعض المسلمات التاريخية الراسخة.
ويتتبع الكاتب، بدقة أكاديمية، مسار العلاقة بين أهل الريف والسلطة المركزية منذ منتصف القرن السابع عشر إلى حدود فرض الحماية سنة 1912، محللاً عدداً من المحطات التي شكلت هذه العلاقة في سياقها السياسي والعسكري. ويبرز من خلال ذلك أن الريف لم يكن مجرد هامش في تاريخ الدولة، بل فضاءً ساهم عبر تحالفات وشخصيات محلية في دعم مسار التأسيس والتوسع في عهد السلاطين العلويين.
ويستند الكتاب إلى معطيات تاريخية تشير إلى أن قبائل وشخصيات ريفية لعبت أدواراً مهمة في دعم المولى الرشيد ثم المولى إسماعيل، سواء في تشكيل الجيوش الأولى أو في إدارة مناطق ومهام داخل بنية المخزن، وهو ما يقدمه المؤلف كدليل على عمق حضور الريف داخل الدولة الناشئة.
غير أن هذه القراءة تفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول طريقة كتابة التاريخ نفسه: هل نحن أمام إعادة إنصاف لمناطق ظلت على هامش السرد الرسمي، أم أمام إعادة تأويل للوقائع من زاوية واحدة تحتاج إلى مزيد من التوازن والمقارنة مع قراءات أخرى؟
وفي كل الأحوال، ينجح الكتاب في إثارة سؤال مركزي حول طبيعة العلاقة بين الريف والمخزن: هل كانت علاقة اندماج وشراكة تاريخية، أم علاقة مركبة تتداخل فيها التحالفات مع التوترات عبر مراحل مختلفة؟
في المحصلة، يقدم هذا العمل إضافة مهمة للنقاش حول تاريخ المغرب الحديث، ليس بوصفه نصاً نهائياً، بل باعتباره مساهمة تفتح الباب أمام قراءة أكثر تعددية وتوازناً للسردية التاريخية المغربية.




