حين يصبح الهروب من الوطن حلما

مشاهد احتفاء العشرات من الشباب وأغلبهم قاصرين، بالوصول سباحة إلى مدينة سبتة، لا يمكن اعتباره إلا المرآة الحقيقية لواقع يستوجب التساؤل عن المسببات والدوافع الحقيقية لهذه المعادلة المختلة التي تكرس الفلاح في الهروب هو أول أبواب النجاح.
في تقديري، فهذه المشاهد التي نراها لا يمكن اعتبارها من الجانب السلوكي والنفسي الا شكلا من أشكال الهروب والنزوح، فعملية النزوح/الهروب تعبر عن فطرة وغريزة إنسانية عندما يشعر الفرد بالخطر المحدق، وأن سلمه مهددا ليبحث عن سبل النجاة في معركته من أجل البقاء، والفظاعة والبشاعة في هذه الحالة أن المواطنين يرون الدولة والوطن هو الخطر الذي يجب الهروب منه، ولو بالمقامرة والمغامرة بالأرواح.
كما أن المظاهر الاحتفالية عند الوصول، وكذا تعبيرات التبريك والتهاني المرافقة لها لا تعتبر الا تعبير احتفالي عن النجاح والنجاة، والنجاح هنا هو القدرة على مغادرة وطن والنجاة منه وهذا الافظع.
أما سياسيا، فسلوك الهروب هو نتيجة وانعكاس لفشل الدولة عبر سياساتها وقراراتها على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي والسياسي والتدبيري، التي تكتفي بالتركيز فقط على نجاح المقاربة الامنية دون ايلاء أهمية لمقاربات اجتماعية من شأنها خفض منسوب الفقر وحفظ السلم الاجتماعي والامن الغذائي والقضاء على التفاوتات التي يزداد شرخها، فصار المواطن يبحث عن سبل النجاة ولو بمقايضة حياته ووجوده، وهذا في ذاته يتضمن فك كل مظاهر التعاقد التي تربطه بمؤسسات الدولة و بُناها فصار يشعر انه لا ينتمي لها كيانا و أن وجوده داخل مجالها هو وجود بالإكراه وليس اختيارا طوعيا.
كل هذه المؤشرات المخيفة التي تستدعي إعادة نظر شاملة في شكل التدبير وإدارة الدولة والمؤسسات، يتم الرهان على التغطية عليها بالدعاية التظليلية وبروبكندا البعبع الخارجي، وتنشيط خلايا إلكترونية للإلهاء بصنع عدو إلكتروني يُختزل فيه الحاسد، رياضي/سياسي/ثقافي، لاخفاء واقع لا يهرب منه مواطنين عبر النزوح إلا في حالات الحرب، بدل الشروع في مساءلة المسببات والمولدات التي أولدت الحالة وتشريحها ومحاسبة المتسببين عن بنية منظمة بقوة القوة و أدوات الهيمنة و السيطرة.
في أوج حرب البوسنة لم يتجاوز النازحين الألفين في يوم واحد، وفي قلب مجزرة سربنيتشا ومجازر ميلوزوفيتش لم يغادر أكثر من ثلاثة آلاف فرد في يوم واحد، و في أوج حرب سوريا لم يغادر أكثر من خمسة آلاف سوري الحدود التركية القادمين من الرقة وحلب في خضم حرب جوية وبرية استخدمت فيها الاسلحة الكيماوية.
فما الذي يجعل اكثر من ألف فرد يافع من مدينة واحدة مهيئين للهروب في اقل من خمسة ساعات دون حرب أهلية و دون زلزال مدمر ودون إعصار او حرب؟!
إنهم يهربون من سياسات الساسة التي لا تراهم آدميين، يغادرون بحثا عن أرض يحيون فوقها بشرا، ويجدون فيها الحد الأدنى من تطلعاتهم وأحلامهم، التي تتحقق بإرادة سياسية حقيقية وتقديس لأرواح وكرامة المواطنين، ولا تتحقق أبدا بنعيق أبواق التطبيل ولا صياح إعلام مدلس كاذب، ولا زعيق مسؤولين وسياسيين يرون حلم الناس في العيش بكرامة، خيانة وخدمة لاجندة أجنبية وعمالة.


