هل بدأت الناظور تسحب البساط من تحت أقدام وجدة؟

في غضون سنوات قليلة، تحوّل الناظور من مدينة هادئة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط إلى ورش مفتوحة على كل الاتجاهات. والسؤال الذي لم يعد يُهمَس به فحسب، بل يُقال بصوت مرتفع في أروقة وجدة: هل يجري إعادة رسم خريطة الثقل الاقتصادي لجهة الشرق؟
لا أحد ينكر أن وجدة ظلت لعقود المدينة التي تدور حولها شمس جهة الشرق، لاعتبارات عديدة، بعضها مرتبط بالواقع التنموي وبعضها الآخر فُرض بقرارات مركزية جعلت من وجدة مركز الثقل الأول بالجهة. غير أن المشهد بدأ يتغير بشكل متسارع، ومع كل مشروع استراتيجي جديد تحتضنه الناظور، تبرز ملامح مرحلة جديدة تعيد رسم موازين القوة داخل الجهة.
على صعيد البنية اللوجستية، يُشكل ميناء الناظور غرب المتوسط رهانا استراتيجيا بامتياز، إذ لا يتعلق الأمر بمشروع محلي عادي، بل بمنصة اقتصادية كبرى من شأنها إعادة رسم موقع المغرب على خريطة التجارة البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط. غير أن وجدة كانت حاضرة حتى في أولى خطوات الاستفادة من المشروع، بعدما اختارت شركة West Med Container Terminal، المشغل الرئيسي لمحطة الحاويات بالميناء، تنظيم أيام مفتوحة للتوظيف بمدينة وجدة بدل الناظور. هذا الاختيار أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول مدى استفادة الإقليم المحتضن للميناء من الفرص التي يتيحها، وحول استمرار تمركز بعض الأنشطة والخدمات المرتبطة بمشاريع الناظور في مدن أخرى، رغم أن المشروع أُقيم أساسًا ليكون رافعة للتنمية المحلية والجهوية.
وإلى جانبه، يُواصل ميناء بني أنصار ترسيخ مكانته بوصفه من أكثر الموانئ نشاطا ليس فقط في المغرب بل حتى على صعيد العالم، مع توجيه متزايد من شركات النقل البحري الدولية نحوه في ظل الظروف االغير مستقرة اللتي يواجهها العالم. وعلى صعيد الربط الجغرافي، سيُحدث مشروع الطريق السيار جرسيف–الناظور نقلةً نوعية في علاقة المدينة بمحيطها. ربط مباشر بالشبكة الوطنية، دون الحاجة إلى العبور من تاوريرت، يعني في لغة الاستثمار: تقليصا للتكاليف وتوسيعا لدائرة الجذب الاقتصادي.
“الأمر لا يتعلق بانتزاع دور من مدينة لمنحه لأخرى، بل بتعدّد الأقطاب داخل جهة كانت تحتاج أصلا إلى هذا التعدد.”
أما في الصحة، فإن تدشين مركز استشفائي جديد بالناظور، إضافة إلى تحويل المستشفى الحسني إلى مركز متخصص لعلاج السرطان، يُمثّل خطوة ذات دلالة رمزية واجتماعية عميقة. مرضى الناظور والأقاليم المجاورة كانوا يُضطرون إلى قطع مئات الكيلومترات نحو وجدة لتلقّي العلاج؛ اليوم، يُرتقب أن تُوفَّر لهم هذه الخدمة في عقر دارهم و ما يترتب عنه من مصاريف تفوق طاقة جيوب المرضى.
أما على مستوى النقل الجوي، فقد كان مجرد تحويل بعض الرحلات الاروبية من مطار وجدة أنجاد إلى مطار العروي كافيا لإثارة حالة من الاستنفار بوجدة، انتهتإلى تأسيس تنسيقية للمطالبة بإعادة الخطوط الملغاة. وأكدت التنسيقية أن القرار يفرض على المسافرين تكاليف إضافية ومعاناة أكبر، خاصة بالنسبة للأسر وكبار السن والمرضى، داعيةً شركات الطيران والجهات المعنية إلى مراجعة هذا القرار وإعادة الاعتبار لمطار وجدة أنكاد.. وهو ما اعتبره كثيرون مؤشرا على تنامي المخاوف من انتقال جزء من الثقل الاقتصادي والخدماتي نحو الناظور، في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها الجهة.
ويُضاف إلى ذلك الورش الرياضي الكبير المتمثل في الملعب الجديد بالناظور، الذي يعزز حظوظ المدينة في احتضان تظاهرات رياضية وطنية ودولية، وفي مقدمتها كأس العالم 2030. كما تستفيد المدينة من ورقة ديموغرافية واقتصادية مهمة تتمثل في الجالية الريفية الكبيرة والمستقرة بمختلف الدول الأوروبية، والتي ظلت لعقود تشكل أحد أبرز محركات الاقتصاد المحلي ومصدراً أساسيا للاستثمار والتحويلات المالية بالمنطقة.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه في هذا التحول هو ما حدث على المستوى الجامعي. ففي ماي 2026، تمت المصادقة على مشروع تقسيم الكلية متعددة التخصصات بالناظور إلى أربع مؤسسات جامعية مستقلة ومتخصصة. قد يبدو القرار في ظاهره مجرد إعادة هيكلة أكاديمية، لكنه في العمق يحمل دلالة أكبر: فالناظور لم تعد مجرد مدينة تُرسل أبناءها إلى وجدة لمتابعة دراستهم، بل أصبحت تُبنى فيها مقومات قطب جامعي متكامل قادر على استقطاب الطلبة وتوفير تخصصات كانت حكرًا على مدن أخرى. إنها خطوة تعكس انتقال الناظور من موقع التابع إلى موقع الفاعل، ومن هامش الخريطة الجامعية إلى أحد مراكزها الصاعدة في جهة الشرق. كما أن هذا التحول من شأنه أن يقلص تدريجيًا من تدفق آلاف الطلبة نحو وجدة، وهو ما قد ينعكس على أحد الروافد الاقتصادية التي ظلت المدينة تستفيد منها لعقود، حيث شكّل الطلبة مصدرا مهما للحركية التجارية وسوق الكراء والخدمات المرتبطة بالحياة الجامعية.
هذه المعطيات مجتمعة، من الموانئ إلى الطرق السيارة، ومن المستشفيات إلى المؤسسات الجامعية، لا تعكس مجرد تحسينات متفرقة أو مشاريع معزولة، بل تكشف عن مسار تنموي متكامل يعيد تموقع الناظور تدريجياً داخل معادلة جهة الشرق. كما يصعب تجاهل حقيقة أن المدينة أصبحت اليوم تستقطب مشاريع استراتيجية كبرى، وأن التحولات التي تشهدها لم تعد مجرد وعود أو توقعات، بل واقعاً جديداً يتشكل على الأرض ويعيد رسم موازين التنمية داخل الشرق المغربي.
غير أن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يُطرح بمنطق صعود مدينة مقابل تراجع أخرى، فالتنمية ليست مباراة بين الناظور ووجدة، بل رهان جماعي يهم مستقبل الجهة بأكملها. فبينما تحتفظ وجدة بمقوماتها الأكاديمية والإدارية والتاريخية التي راكمتها على مدى عقود، تواصل الناظور بناء مقومات اقتصادية ولوجستية وصحية وأكاديمية متجددة. وجهة الشرق لن تخسر شيئا إذا تعددت أقطابها التنموية، بل ستربح أكثر إذا أُحسن تدبير هذا التكامل بما يخدم مصالح الجهة وسكانها كافة.
يبقى السؤال المطروح اليوم: هل تعيش وجدة مخاوف حقيقية من انتقال مركز الثقل الاقتصادي والأكاديمي لجهة الشرق نحو الناظور، أم أن ما يحدث لا يعدو كونه تصحيحًا لاختلال تاريخي طال أمده، وإنصافًا لمدينة ظلت لعقود طويلة تعيش في الظل رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات اقتصادية وبشرية كبيرة، ورغم ما كانت تدرّه من مداخيل مهمة على الاقتصاد الوطني؟ وبين من يرى في صعود الناظور تهديدًا لمكانة وجدة، ومن يعتبره استعادة لتوازن مفقود داخل الجهة، تبدو الحقيقة أقرب إلى إعادة رسم لخريطة التنمية بالشرق المغربي، بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي تشهدها المنطقة.



