اقتصاد جهة الشرق يستعيد النمو بـ5.9% لكن حصته الوطنية تبقى عند 5.1%

سجل اقتصاد جهة الشرق نمواً بنسبة 5.9 في المائة خلال سنة 2024، متجاوزاً المتوسط الوطني البالغ 4.4 في المائة، بعد مرحلة انكماش شهدتها الجهة في السنة السابقة. ويضع هذا التحول المنطقة ضمن ثماني جهات حققت نمواً أسرع من المعدل الوطني.
وتشير الحسابات الجهوية إلى أن تعافي الأنشطة الصناعية والخدماتية كان المحرك الرئيسي لهذا الأداء. غير أن حصة الشرق من الناتج الداخلي الخام الوطني ظلت عند 5.1 في المائة، ما يكشف الفرق بين سرعة النمو خلال سنة واحدة والحجم الفعلي لاقتصاد الجهة داخل المملكة.
نمو جهة الشرق يعود بعد انكماش 2023
يعني معدل 5.9 في المائة أن قيمة الأنشطة الاقتصادية المنتجة داخل الجهة ارتفعت بوتيرة قوية مقارنة بسنة 2023. وهو تحسن مهم لإقليمي الناظور والدريوش وباقي أقاليم الشرق، لأن النشاط الصناعي والخدماتي يرتبط مباشرة بفرص الشغل والنقل والتجارة والطلب على خدمات المقاولات.
لكن قراءة الرقم تحتاج إلى الحذر. فالنمو المرتفع قد يأتي جزئياً بعد سنة ضعيفة، كما أن المعدل الجهوي لا يوضح وحده كيفية توزيع المكاسب بين المدن والقرى أو بين الأسر والمقاولات. لذلك لا يمكن افتراض أن جميع مناطق الشرق استفادت بالدرجة نفسها.
وتظهر المقارنة الوطنية أن ثماني جهات تجاوزت معدل النمو العام. وجاءت جهة الشرق بعد جهات سجلت نسباً أعلى، بينها العيون–الساقية الحمراء والداخلة–وادي الذهب وسوس–ماسة ودرعة–تافيلالت، بينما حققت طنجة–تطوان–الحسيمة نمواً بلغ 4.9 في المائة.
حصة 5.1% تكشف استمرار تمركز الثروة
رغم عودة النمو، لم تتجاوز مساهمة جهة الشرق 5.1 في المائة من الناتج الداخلي الخام للمغرب. وفي المقابل، استحوذت الدار البيضاء–سطات والرباط–سلا–القنيطرة وطنجة–تطوان–الحسيمة مجتمعة على 58.4 في المائة من الثروة المنتجة وطنياً.
وتوضح هذه الفجوة أن رفع معدل النمو لا يكفي وحده لتقليص التفاوتات المجالية بسرعة. فالجهات الكبرى تستفيد من تراكم طويل للبنية الصناعية والمالية وشبكات النقل ومراكز القرار والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
كما ارتفع متوسط الفارق المطلق بين الناتج الداخلي الخام الجهوي ومتوسط ناتج الجهات من 83.6 مليار درهم سنة 2023 إلى 90.9 مليار درهم في 2024، وهو مؤشر على اتساع عدم التوازن في توزيع النشاط الاقتصادي.
ماذا تعني الأرقام للناظور والدريوش؟
ترتبط فرص الناظور والدريوش في السنوات المقبلة بقدرة المشاريع الكبرى على خلق نشاط محلي دائم، لا بمجرد إنجاز البنية التحتية. ويشمل ذلك ميناء الناظور غرب المتوسط والطريق السيار نحو جرسيف والمناطق الصناعية واللوجستية المرتبطة بها.
ومن المهم عدم نسبة نمو سنة 2024 إلى الميناء الجديد، لأنه لم يكن قد دخل مرحلة التشغيل التجاري خلال الفترة التي تغطيها الحسابات. لكن المشروع قد يؤثر في المؤشرات اللاحقة إذا جذب استثمارات منتجة وخلق وظائف وربط المقاولات المحلية بسلاسل التوريد.
ويتوقف الأثر على عناصر مثل تكوين اليد العاملة، ونسبة المشتريات المحلية، وربط الجماعات المحيطة بشبكات النقل، وتوفير العقار الصناعي، ومواكبة المقاولات الصغيرة والمتوسطة. فمن دون هذه الروابط قد تظل القيمة المضافة مركزة داخل عدد محدود من الأنشطة.
الصناعة والخدمات أمام اختبار الاستمرارية
يعطي تحسن الصناعة والخدمات إشارة إيجابية، لكنه يحتاج إلى الاستمرار لعدة سنوات حتى يتحول إلى تقليص فعلي للبطالة ورفع دخل الأسر. كما يجب تتبع مساهمة الفلاحة والبناء والسياحة والتجارة، لأن اقتصاد الجهة لا يقوم على قطاع واحد.
وتساعد الحسابات الجهوية على قياس الاتجاه العام، لكنها لا تقدم تفاصيل كافية عن كل إقليم أو مدينة. ولهذا تبقى الحاجة قائمة إلى نشر بيانات محلية أكثر انتظاماً حول التشغيل والاستثمار وتأسيس المقاولات والصادرات وتوزيع المشاريع.
الخلاصة أن جهة الشرق استعادت وتيرة نمو قوية في 2024، لكنها ما زالت تمثل جزءاً محدوداً من الاقتصاد الوطني. والتحدي بالنسبة إلى الريف الشرقي ليس تسجيل سنة جيدة فقط، بل تحويل المشاريع والاستثمارات المقبلة إلى قاعدة إنتاج أوسع وفرص مستدامة في الناظور والدريوش والمناطق المحيطة.



