كُتّاب وآراء

متى تتحرر المدرسة المغربية من إرث القومية العربية؟

بعد نضال طويل ومرير للحركة الأمازيغية وتحقيقها لمكتسبات مهمة، ما زلنا نُفاجَأ بوجود نصوص في المقررات الدراسية تروّج لأفكار القومية العربية وكأنها حقائق وطنية لا تقبل النقاش. فالنص المعروض ليس نصًا محايدًا، بل يعكس رؤية علال الفاسي، الذي كان من أبرز ممثلي التيار القومي العربي في المغرب، ودخل في صراع معروف مع المدافعين عن الأمازيغية.

المشكلة ليست في دراسة شخصية تاريخية أو فكرية، بل في تقديم أفكارها للتلاميذ دون وضعها في سياقها التاريخي والسياسي. فكما كان هناك من تبنّى القومية العربية، كان هناك أيضًا من قاوم الاستعمار ودافع عن الأمازيغية والهوية الأصلية للبلاد.

ما يثير الانتباه هو أن هذا الفكر، الذي ظن كثيرون أنه تراجع، ما زال يجد طريقه إلى المدرسة والإدارة والإعلام. ورغم أن دستور 2011 أقرّ الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب العربية، فإن هذا الإقرار القانوني لم يُترجَم بعد إلى تحوّل حقيقي في المضامين التربوية. فالمقررات الدراسية، وخاصة في مادة اللغة العربية، لا تزال تستلهم نصوصًا تنتمي إلى مرحلة فكرية معينة دون مراجعة أو سياق، وكأن الزمن توقف عند خمسينيات القرن الماضي. لذلك يعتبر كثير من الأمازيغ أن معركة الهوية لم تنتهِ بعد، وأن الخطر على اللغة والثقافة الأمازيغية لا يأتي فقط من التهميش المباشر، بل أيضًا من استمرار نشر أفكار إيديولوجية تقدّم المغرب وكأنه امتداد لقومية أخرى، وتتجاهل جذوره التاريخية الضاربة في عمق شمال إفريقيا.

والمفارقة أن نفس المؤسسة التي تحتفي رسميًا بالتنوع اللغوي والثقافي، عبر إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وإدراج تيفيناغ في الفضاء العمومي، تترك من جهة أخرى البرامج الدراسية تكرّس خطابًا يتعامل مع الأمازيغية كهامش يُذكر بالمناسبة، لا كأصل يُبنى عليه. هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية هو ما يغذّي شعور كثير من الفاعلين الأمازيغيين بأن المكتسبات القانونية تبقى شكلية ما لم تواكبها مراجعة جذرية لمصادر المعرفة التي تُغذّى بها أجيال كاملة.

لهذا السبب، لا يتحدث الذين يطالبون بدولة أمازيغية، أو بدولة تعبّر فعلًا عن الهوية الأمازيغية، من فراغ، بل انطلاقًا من قناعة مفادها أن الهوية واللغة والثقافة والتاريخ لا يمكن حمايتها بشكل دائم إلا عندما تكون الدولة نفسها نابعة من هوية البلاد الأصلية ومدافعة عنها، لا عندما تُدار وفق تصورات إيديولوجية مستوردة من خارج المجال التاريخي لشمال إفريقيا. فالاعتراف الدستوري، على أهميته، يبقى خطوة أولى لا غاية نهائية، وما لم يواكبه إصلاح عميق للمدرسة والإعلام والإدارة، فإن الهوية الأمازيغية ستظل في موقع الدفاع، بدل أن تكون جزءًا طبيعيًا وحاضرًا من تعريف المغرب لنفسه.

سعيد ختور

سعيد ختور مزداد بايث سعيذ، فاعل جمعوي وحقوقي، وباحث في الثقافة الأمازيغية. يهتم بقضايا التراث الثقافي والهوية، ويعمل على جمع وتوثيق التراث اللامادي. يكتب الشعر والقصص، وله إسهامات فكرية وإعلامية تُعنى بالتعريف بالثقافة الأمازيغية والدفاع عن الحقوق الثقافية والإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى