كُتّاب وآراء

الظهير البربري والجاهلية: قراءة نقدية في خطاب الشيخ مصطفى العلوي

لا يخلو النقاش حول الأمازيغية في المغرب من استحضار ما يُعرف بـ”الظهير البربري”، حتى أصبح هذا المصطلح يُستعمل أحيانًا كاتهام جاهز ضد كل من يدافع عن اللغة والهوية الأمازيغيتين. وقد أعاد الشيخ مصطفى العلوي، في إحدى خرجاته الأخيرة، إنتاج هذا الخطاب عندما ربط الدفاع عن الأمازيغية بما سماه “الظهير البربري”، واعتبره امتدادًا للعصبية الجاهلية.

غير أن أي نقاش علمي يفرض سؤالًا أوليًا لا يمكن القفز عليه: هل قرأ الشيخ نص الظهير الذي يستشهد به؟

فالقاعدة في البحث التاريخي أن الوثيقة الأصلية تسبق التأويل، وأن النص يسبق الرواية. ولو رجعنا إلى ظهير 16 ماي 1930، لما وجدنا فيه أي حديث عن “الأمة الأمازيغية”، أو “القومية الأمازيغية”، أو “اللغة الأمازيغية”، أو الدعوة إلى فصل الأمازيغ عن الإسلام. فالظهير كان وثيقة قانونية تتعلق بتنظيم القضاء في بعض القبائل التي كانت تطبق الأعراف المحلية، وهي أعراف لم يبتدعها الاستعمار، بل كانت موجودة في المغرب قبل فرض الحماية.

بل إن ظهير 1930 لم يكن بداية هذه السياسة، وإنما جاء امتدادًا لظهير 11 شتنبر 1914، الذي اعترف باستمرار العمل بالأعراف في بعض المناطق. لذلك يطرح الباحثان محمد مونيب في كتابه «الظهير البربري: أكبر أكذوبة سياسية في المغرب المعاصر» ومحمد بودهان في كتابه «الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟» سؤالًا مشروعًا: إذا كان الأمر يتعلق بمؤامرة استهدفت الإسلام، فلماذا لم تبدأ الحملة ضد ظهير 1914؟ ولماذا انفجرت فقط سنة 1930؟

كما أن الوثيقة نفسها ليست “بيانا أمازيغيًا”، ولا وثيقة كتبها الأمازيغ، وإنما هي ظهير شريف صدر باسم السلطان محمد بن يوسف في ظل نظام الحماية الفرنسية. أما تسمية “الظهير البربري” فهي تسمية سياسية شاعت مع الحملة التي قادتها الحركة الوطنية، ثم تحولت مع الزمن إلى حقيقة راسخة في الوعي الجماعي، رغم أن الاسم الرسمي للوثيقة مختلف، ومضمونها لا يتطابق مع كثير مما نُسب إليها.

لقد بين محمد مونيب، ثم محمد بودهان، بعد العودة إلى الوثائق الأصلية، أن جزءًا مهمًا من الخطاب المتداول حول الظهير لا يستند إلى نصه، وإنما إلى التأويل السياسي الذي أُحيط به. وهذا لا يعني تبرئة الاستعمار الفرنسي من سياساته التقسيمية، بل يعني فقط أن كتابة التاريخ تقتضي التمييز بين الوثيقة وبين الخطاب الذي بُني حولها.

لكن الإشكال لا يقف عند الظهير، بل يتجاوزه إلى وصف الدفاع عن الأمازيغية بأنه “عصبية جاهلية”. وهنا يبرز سؤال آخر: أي جاهلية يقصد الشيخ؟

إذا كان المقصود هو المفهوم الإسلامي للجاهلية، فإن هذا المفهوم ارتبط أساسًا بحالة دينية واجتماعية وأخلاقية معينة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولم يكن وصفًا عرقيًا لكل الشعوب غير العربية. أما شمال إفريقيا، فقد عرف قبل الإسلام تنوعًا دينيًا وفكريًا واسعًا. فقد انتشرت اليهودية والمسيحية بين فئات من السكان، وبرزت شخصيات أمازيغية كان لها أثر بالغ في تاريخ الفكر المسيحي.

ويكفي أن نستحضر الحركة الدوناتية بقيادة دوناتوس، التي خاضت سجالات لاهوتية عميقة مع الكنيسة الرسمية، كما يكفي أن نستحضر أوغسطينوس، أحد أبرز فلاسفة ولاهوتيي المسيحية، الذي دارت مناظراته مع الدوناتيين حول قضايا العقيدة والكنيسة والخلاص. ولا يعني هذا أن جميع الأمازيغ كانوا مسيحيين، لكنه يدل على أن شمال إفريقيا كان فضاءً للنقاش الديني والفكري قبل الإسلام، لا مجتمعًا يمكن اختزاله في صورة “الجاهلية” كما تُستعمل في الخطاب الوعظي.

وعندما دخل الإسلام إلى شمال إفريقيا، لم يدخل إلى أرض بلا تاريخ ولا فكر، وإنما دخل إلى مجتمع يمتلك تقاليد دينية وثقافية، وهو ما يفسر سرعة اندماج الأمازيغ في الحضارة الإسلامية، ثم مساهمتهم في نشر الإسلام، وتأسيس دوله، والدفاع عنه في الأندلس وإفريقيا.

إن المفارقة في خطاب بعض الدعاة تكمن في أنهم يعتبرون الاعتزاز بالعروبة أمرًا طبيعيًا، بينما يعتبرون الاعتزاز بالأمازيغية عصبية جاهلية. فإذا كان الاعتزاز باللغة العربية والثقافة العربية مشروعًا، فلماذا يصبح الاعتزاز باللغة الأمازيغية والثقافة الأمازيغية جاهلية؟ أليس المعيار واحدًا؟

ثم إن السؤال الأهم يبقى معلقًا: إذا كانت الهوية الأمازيغية من صنع “الظهير البربري” سنة 1930، فمن كان الأمازيغ قبل سنة 1930؟

إن المصادر الإغريقية والرومانية تحدثت عن سكان شمال إفريقيا قبل الميلاد بقرون، كما تحدث عنهم المؤرخون المسلمون، وفي مقدمتهم ابن خلدون، الذي خصص لهم فصولًا مطولة. واليوم تؤكد الاكتشافات الأثرية في جبل إيغود وتافوغالت، والدراسات اللسانية التي تعتبر الأمازيغية فرعًا مستقلًا داخل الأسرة الأفروآسيوية، إضافة إلى الدراسات الجينية، أن استمرارية السكان في شمال إفريقيا حقيقة علمية لا يمكن اختزالها في حدث سياسي وقع سنة 1930.

إن الدفاع عن الأمازيغية اليوم ليس دفاعًا عن مشروع استعماري، وإنما دفاع عن لغة وثقافة وهوية ضاربة في القدم، اعترف بها الدستور المغربي نفسه باعتبارها رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة.

ولذلك، فإن من حقنا أن نختلف حول السياسات الثقافية أو الخيارات اللغوية، لكن ليس من حق أحد أن يختزل تاريخ شعب كامل في رواية سياسية نشأت في ظرف استعماري، أو أن يصف ملايين المغاربة بأنهم دعاة “جاهلية” لأنهم يدافعون عن لغتهم الأم.

وفي الختام، يبقى التحدي العلمي قائمًا: من يربط الأمازيغية بما يسمى “الظهير البربري” مدعو أولًا إلى قراءة نص الظهير نفسه، ثم قراءة الدراسات التي أعادت تفكيك الأسطورة التي نسجت حوله، قبل إطلاق أحكام لا تسندها الوثيقة ولا يؤيدها البحث التاريخي
المراجع:

  • محمد مونيب، الظهير البربري: أكبر أكذوبة سياسية في المغرب المعاصر.
  • محمد بودهان، الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟.
  • النص الأصلي لظهير 16 ماي 1930، مع ظهير 11 شتنبر 1914.
  • Gabriel Camps, Les Berbères. Mémoire et identité.
  • ابن خلدون،

سعيد ختور

سعيد ختور مزداد بايث سعيذ، فاعل جمعوي وحقوقي، وباحث في الثقافة الأمازيغية. يهتم بقضايا التراث الثقافي والهوية، ويعمل على جمع وتوثيق التراث اللامادي. يكتب الشعر والقصص، وله إسهامات فكرية وإعلامية تُعنى بالتعريف بالثقافة الأمازيغية والدفاع عن الحقوق الثقافية والإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى