بعد أن أبهرت فرنسا بأعلى معدل في البكالوريا. ابنة ايت بوعياش مريم بورحايل تحقق حلمها وتصبح طبيبة

بعد اثني عشر عامًا على تصدرها عناوين الصحافة الفرنسية والمغربية بحصولها على معدل استثنائي بلغ 21.03 من 20 في امتحانات البكالوريا الفرنسية، تعود الشابة مريم بورحايل (Myriam Bourhail)، المنحدرة من أصول ريفية من بني بوعياش بإقليم الحسيمة، إلى الواجهة من جديد، وهذه المرة بعد تحقيق حلمها بأن تصبح طبيبة.
قصة مريم التي لفتت الأنظار سنة 2014 لم تكن مجرد قصة تفوق دراسي، بل قصة شابة من عائلة مغربية مهاجرة استطاعت أن تشق طريقها داخل المنظومة التعليمية الفرنسية، قبل أن تنهي سنوات طويلة من دراسة الطب وتبدأ مسيرتها المهنية كطبيبة عامة.
جذور ريفية من بني بوعياش
تنحدر عائلة مريم بورحايل من مدينة بني بوعياش بإقليم الحسيمة في منطقة الريف، وهي الجذور التي سلطت عليها بعض وسائل الإعلام المغربية الضوء عندما حققت إنجازها الدراسي اللافت سنة 2014.
وُلدت مريم ونشأت في فرنسا وسط أسرة متواضعة؛ فوالدها كان عاملًا ووالدتها ربة منزل. ورغم بساطة ظروف الأسرة، استطاعت أن تحقق واحدًا من أبرز النتائج المسجلة في البكالوريا الفرنسية خلال تلك السنة.
وقد تحولت قصة الشابة ذات الأصول الريفية آنذاك إلى مصدر فخر واهتمام، خصوصًا لدى أبناء منطقة الحسيمة والريف والجالية المغربية المقيمة في أوروبا.
21.03 من 20.. نتيجة أدهشت الجميع
في سنة 2014، اجتازت مريم امتحانات البكالوريا في الشعبة العلمية، تخصص الفيزياء والكيمياء. كانت تتوقع النجاح، لكن ما لم تكن تتوقعه هو المعدل الذي ستجده أمام اسمها: 21.03 من 20.
وتسمح منظومة البكالوريا الفرنسية، من خلال احتساب بعض النقاط الإضافية المرتبطة بالمواد الاختيارية، بتجاوز المعدل النهائي سقف 20 من 20. وتتذكر مريم تلك اللحظة بعد مرور أكثر من عقد، مؤكدة أنها ما زالت تحتفظ بتفاصيلها وكأنها حدثت بالأمس.
وكان والدها أول شخص اتصلت به لإبلاغه بالنتيجة. ولم يخف بدوره دهشته، متسائلًا كيف يمكن لابنته الحصول على معدل 21 من 20. لكن النتيجة لم تأت من فراغ. فقد عُرفت مريم بانضباطها واجتهادها، وكان لديها منذ تلك المرحلة حلم واضح: دراسة الطب.
تسع سنوات في كلية الطب
بعد نجاحها الاستثنائي في البكالوريا، توجهت مريم إلى مدينة ريمس لمتابعة دراستها الجامعية في مجال الطب. وهناك بدأت رحلة طويلة استمرت نحو تسع سنوات من الدراسة والتدريب، تمكنت خلالها من مواصلة مسارها دون إعادة أي سنة.
وتقول مريم إن دراسة الطب كانت مختلفة تمامًا عن مرحلة الثانوية، إذ إن التفوق والقدرات الدراسية لا يلغيَان الحاجة إلى ساعات طويلة من العمل والمراجعة. وبالنسبة إليها، كانت دراسة الطب تعني التعامل باستمرار مع كميات هائلة من المعلومات التي يجب استيعابها وفهمها.
من حلم الجراحة إلى اختيار الطب العام
كانت مريم في بداية مشوارها تطمح إلى التخصص في جراحة القلب والصدر، لكن احتكاكها العملي بمختلف التخصصات الطبية جعلها تغير مسارها.
وخلال أحد تداريبها في الطب العام، اكتشفت أن هذا المجال أقرب إلى شخصيتها وتطلعاتها، خصوصًا بسبب تنوع الحالات التي يتعامل معها الطبيب العام والعلاقة المباشرة التي يبنيها مع مرضاه.
وهكذا اختارت الطب العام بدل الجراحة، لتبدأ مرحلة جديدة من رحلتها المهنية.
الحلم يتحقق بعد أكثر من عقد
في بداية سنة 2025، أنهت مريم رسميًا مسارها الدراسي بعد مناقشة أطروحتها، وأصبحت طبيبة عامة. واللافت في قصتها أنها اختارت ممارسة الطب في المنطقة الفرنسية نفسها التي نشأت فيها ودرست بها، Villers-Cotterêts في إقليم Aisne.
وبعد حصولها على شهادتها، بدأت بإجراء تعويضات لأطباء آخرين، قبل أن تتولى العمل في عيادة طبيب غادر المهنة بعد إحالته على التقاعد. وتعمل مريم اليوم في منطقة تعاني من نقص في الأطباء، وهو ما يجعل، بحسب تجربتها، دور الطبيب العام أكثر أهمية بالنسبة للسكان.
قصة نجاح من الريف إلى فرنسا
بعد 12 عامًا على ذلك اليوم الذي ظهرت فيه الشابة ذات الأصول الريفية أمام وسائل الإعلام وهي تحمل نتائج بكالوريا استثنائية، أصبحت مريم اليوم طبيبة تمارس المهنة التي حلمت بها منذ صغرها.
إنها رحلة بدأت من جذور عائلية في بني بوعياش بالحسيمة، مرورًا بالنشأة والدراسة في فرنسا، ثم التفوق بمعدل 21.03 من 20، وصولًا إلى تسع سنوات من دراسة الطب وتحقيق الحلم.
كما بدأت مريم مؤخرًا فصلًا جديدًا على المستوى الشخصي، بعدما تزوجت حديثًا.
وبالنسبة للتلاميذ المقبلين على الامتحانات، تقدم صاحبة أحد أشهر معدلات البكالوريا في فرنسا نصيحة بسيطة اكتسبتها من تجربتها الطويلة: النوم جيدًا، ومراجعة الدروس بهدوء، وتجنب التوتر والسهر طوال الليل، مع الحرص على الراحة والتغذية الجيدة.
وبعد أكثر من عقد، لم تعد قصة ابنة بني بوعياش ذات الأصول الريفية مرتبطة فقط بالرقم الاستثنائي 21.03/20، بل بما استطاعت أن تبنيه بعد ذلك الرقم: مسيرة في الطب وتحقيق حلم رافقها منذ سنوات الدراسة.



