كُتّاب وآراء

تمويل الأمازيغية بين سؤال النجاعة وضرورة إصلاح الحكامة

أثار التصريح الأخير لمحيي الدين حجاج، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار والمنسق الوطني لجبهة العمل الأمازيغي، نقاشًا يستحق التوقف عنده. فرغم تأكيده أن الحكومة أوفت بالتزامها بتخصيص مليار درهم لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فإنه لم يكتف بالإشادة بهذه الخطوة، بل طرح سؤالًا جوهريًا حول كيفية صرف هذه الاعتمادات، ومدى انعكاسها على أرض الواقع، وحجم الأثر الذي أحدثته في مختلف القطاعات.

في تقديري، هذه الأسئلة مشروعة، لأن المال العام لا يقاس بحجم الاعتمادات المخصصة فقط، وإنما بمدى نجاعة صرفها، وبالنتائج التي تحققها للمواطنين. وإذا كان من حق الجميع مساءلة حصيلة مليار درهم المخصصة لتفعيل الأمازيغية، فمن حقهم أيضًا أن يتساءلوا: هل هذا المبلغ كافٍ أصلًا لتنزيل الطابع الرسمي للغة يفترض أن تكون حاضرة في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام والجماعات الترابية ومختلف المرافق العمومية؟

ومن خلال تتبعي لمسار الأمازيغية في المغرب منذ سنوات، أستنتج أن التعامل مع هذا الورش ظل في كثير من الأحيان أقرب إلى الخطاب منه إلى التنفيذ الفعلي. فقد تم الإعلان عن مبادرات واتفاقيات عديدة، لكن الواقع يكشف أن وتيرة التنزيل لا تزال أبطأ بكثير مما كان منتظرًا.

فقد أبرم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية اتفاقيات شراكة مع عدد من القطاعات الحكومية، من بينها قطاعات التعليم والإعلام وغيرها، غير أن جزءًا كبيرًا من هذه الاتفاقيات لم ينعكس بالشكل المطلوب على السياسات العمومية. وما تزال الأمازيغية تعاني من ضعف حضورها في المدرسة والإدارة والإعلام، رغم مرور سنوات على دسترتها واعتماد القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل طابعها الرسمي.

ولم يعد خافيًا أن عددًا من الفاعلين والباحثين والجمعيات الأمازيغية، بل وحتى بعض المسؤولين، أقروا في مناسبات مختلفة بأن هذا الورش يواجه عراقيل حقيقية. ويرى هؤلاء أن التعثر لا يرتبط فقط بإكراهات تقنية أو إدارية، بل إن هناك جهات لا تزال تتمتع بنفوذ داخل قطاعات استراتيجية، تساهم في إبطاء تنفيذ الالتزامات الدستورية والقانونية المتعلقة بالأمازيغية، وهو ما يفسر استمرار الفجوة بين النصوص القانونية والواقع العملي.

وقد سبق أن أشرت في أكثر من مناسبة إلى أن بعض الأحزاب ذات المرجعية العروبية والإسلامية لم تُظهر، تاريخيًا، الإرادة السياسية نفسها تجاه تفعيل الأمازيغية، وهو ما يعتبره كثير من المتابعين أحد أسباب استمرار بطء هذا الورش، رغم مرور أكثر من عقد على ترسيم الأمازيغية في الدستور.

وفي هذا السياق، يبرز أيضًا نقاش لا يقل أهمية، يتعلق بالجهة التي تتولى تدبير الاعتمادات المالية المخصصة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. فإسناد صندوق دعم الأمازيغية إلى وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة يثير إشكالًا بنيويًا في الحكامة، لأن الوزارة، مهما كانت كفاءتها، ليست مؤسسة متخصصة في تدبير السياسات الثقافية واللغوية، ولا تتمتع بالحياد المؤسساتي الذي يقتضيه تدبير ورش وطني بحجم ورش الأمازيغية.

وقد أبانت التجربة، في نظر عدد من المتتبعين، أن توطين الصندوق داخل قطاع وزاري واحد جعل جزءًا من موارده يتجه إلى أولويات لا ترتبط مباشرة بالنهوض بالأمازيغية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى احترام الغاية التي أُحدث من أجلها هذا الصندوق. فالاعتمادات المخصصة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية يفترض أن تُوجه حصريًا إلى مشاريع تحقق هذا الهدف، لا أن تذوب داخل برامج عامة مرتبطة بتدبير الإدارة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة النموذج المؤسساتي المعتمد، عبر إحداث وكالة وطنية مستقلة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتخضع لحكامة شفافة وآليات واضحة للمراقبة والتقييم، مع تمثيلية لمختلف القطاعات الحكومية والخبرات الأكاديمية والفاعلين المدنيين المعنيين بالسياسة اللغوية.

فمثل هذه الوكالة ستكون أكثر قدرة على إعداد استراتيجية وطنية مندمجة، وتنسيق تدخلات مختلف القطاعات، وضمان توجيه الموارد المالية إلى مشاريع ذات أثر ملموس في تعميم استعمال الأمازيغية داخل الإدارة والتعليم والقضاء والإعلام والخدمات العمومية، مع إصدار تقارير دورية حول نسب الإنجاز وكيفية صرف الاعتمادات.

لكن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند الأمازيغية وحدها. فإذا كان الرأي العام يعرف أن مليار درهم خُصصت لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فمن حقه أيضًا أن يعرف حجم الميزانيات التي تخصصها الدولة للعربية، وللفرنسية، وللإنجليزية، وغيرها من اللغات المستعملة في مؤسسات الدولة. وكم تنفق الدولة سنويًا على كل لغة؟ وكيف توزع هذه الاعتمادات بين التعليم والإدارة والإعلام والثقافة؟ ومن هي الجهات التي تشرف على تدبيرها؟ وهل توجد تقارير دورية تبين حجم الإنفاق والنتائج المحققة؟

إن الشفافية تقتضي أن يكون تقييم السياسات اللغوية شاملًا، لا انتقائيًا. فإذا كان من المشروع مساءلة كيفية صرف الاعتمادات المخصصة للأمازيغية، فمن المشروع أيضًا مساءلة الإنفاق العمومي الموجه إلى باقي اللغات، حتى يكون النقاش مبنيًا على الأرقام والمعطيات لا على الانطباعات.

إن قضية الأمازيغية ليست مشروعًا قطاعيًا يخص وزارة بعينها، بل هي ورش وطني يرتبط بتنزيل مقتضى دستوري وبحقوق ملايين المواطنين. ولذلك فإن نجاح هذا الورش يقتضي إرادة سياسية حقيقية، وحكامة مستقلة، وشفافية كاملة في تدبير المال العام، وربط التمويل بالنتائج، حتى يتحول ترسيم الأمازيغية من نصوص قانونية وخطابات رسمية إلى واقع ملموس في حياة المواطنين.

هيئة التحرير

موقع إعلامي شامل يُعنى بمختلف المواضيع والأخبار المرتبطة بالريف، إلى جانب المستجدات الوطنية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى