تيفيناغ بين الحسم المؤسساتي وإعادة فتح النقاش: لماذا نهرب من سؤال التفعيل؟

عاد النقاش حول حرف كتابة الأمازيغية إلى الواجهة خلال الفترة الأخيرة، بعد أكثر من عقدين على اعتماد تيفيناغ رسميًا لكتابتها. وقد ظهرت أصوات تدعو إلى إعادة النظر في هذا الاختيار، وتطرح الحرف العربي باعتباره أكثر ملاءمة وأسهل في الاستعمال، بل إن بعض الخطابات ذهبت إلى تحميل تيفيناغ مسؤولية تعثر تدريس الأمازيغية وضعف حضورها في الحياة العامة. ومن حق أي باحث أو مهتم أن يناقش قضايا اللغة والكتابة، وأن يقدم رأيًا مختلفًا أو يقترح بدائل، فالنقاش العلمي لا ينبغي أن يكون ممنوعًا. لكن ما يثير الاستغراب هو أن يعود هذا الملف اليوم وكأن المغرب لم يحسمه مؤسساتيًا منذ سنة 2003، وكأن أكثر من عشرين سنة من العمل والتراكم يمكن اختزالها في سؤال بسيط: هل كان اختيار تيفيناغ صائبًا أم خاطئًا؟
إن اعتماد تيفيناغ لم يكن قرارًا عابرًا أو اختيارًا شخصيًا، بل جاء في سياق مؤسساتي واضح، وتبعه مسار طويل من العمل في مجال التعليم والبحث والتأليف والإنتاج الثقافي والرقمي. وعلى مدى أكثر من عقدين، راكم المغرب موارد ومناهج وتجارب وأعمالًا بهذا الحرف، وأصبح تيفيناغ جزءًا من المشهد التعليمي والثقافي واللغوي المغربي. ولذلك فإن من يريد اليوم مراجعة هذا الاختيار لا يمكنه أن يتعامل مع الموضوع كما لو أننا أمام صفحة بيضاء، بل عليه أن ينطلق من حصيلة هذه التجربة، وأن يقدم تقييمًا علميًا لها، وأن يوضح بشكل دقيق ما الذي أخفق فيها، وما علاقة ذلك بالحرف أصلًا.
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة. هل تيفيناغ هو فعلًا سبب تعثر الأمازيغية؟ إذا كانت الأمازيغية لم تعمم بالشكل المطلوب في التعليم، وإذا كان عدد المدرسين غير كاف، وإذا لم تتوفر الموارد البشرية والمالية الضرورية، وإذا ظل حضورها في الإدارة والإعلام والجامعة والفضاء العام محدودًا، فهل يمكن تحميل نظام الكتابة مسؤولية كل هذه الاختلالات؟ هل تيفيناغ هو الذي منع تعميم تدريس الأمازيغية؟ وهل هو الذي منع توظيف العدد الكافي من المدرسين؟ وهل هو الذي منع إنشاء وتوسيع الشعب الجامعية المتخصصة؟ وهل هو الذي حال دون حضورها في الإدارة والإعلام؟ وهل تغيير الحرف سيحل هذه المشاكل تلقائيًا؟
من الصعب الدفاع علميًا عن مثل هذا الاستنتاج، لأن نجاح أي لغة داخل المدرسة أو الإدارة والمجتمع لا يتوقف على الحرف وحده، وإنما يرتبط بمجموعة واسعة من العوامل، من بينها السياسة اللغوية، والمناهج، وتكوين المدرسين، والموارد البشرية والمالية، والزمن المدرسي، والإنتاج المعرفي، والإرادة المؤسساتية، ومجالات استعمال اللغة. ولذلك فإن اختزال أزمة الأمازيغية في حرف كتابتها ليس سوى تبسيط لمشكلة أكثر تعقيدًا.
إذا كان أصحاب الدعوة إلى تغيير تيفيناغ يرون أن الحرف العربي أكثر نجاعة في تعليم الأمازيغية وانتشارها، فالسؤال الطبيعي هو: أين هي الدراسات المقارنة التي تثبت ذلك؟ لا يكفي أن يقول شخص إن الحرف العربي أسهل لأنه معتاد عليه، أو أن تيفيناغ أصعب لأنه أقل ألفة بالنسبة إليه. البحث العلمي يحتاج إلى معايير قابلة للقياس، وإلى مقارنة بين التجارب، وإلى معطيات حول سرعة اكتساب القراءة، والتمييز البصري، والطلاقة، والتهجئة، والاستيعاب، ونسب التعثر، وغيرها من المؤشرات التي يمكن أن تساعدنا في الحكم على نجاعة أي نظام كتابي.
ومن الضروري هنا التمييز بين الألفة والملاءمة. صحيح أن الحرف العربي مألوف لدى أغلب المغاربة، بحكم استعماله التاريخي في التعليم والثقافة والدين، لكن الألفة لا تعني بالضرورة أن هذا الحرف هو الأكثر ملاءمة من الناحية اللسانية والتربوية لكتابة الأمازيغية. وبالمثل، فإن كون تيفيناغ أقل ألفة لدى بعض الراشدين لا يعني بالضرورة أنه يشكل عائقًا أمام الطفل الذي يتعلم القراءة والكتابة في المدرسة. فالطفل قادر على اكتساب نظام كتابي جديد إذا توفرت له شروط التعليم الجيد والمنهج الواضح والمدرس المؤهل.
ثم هناك سؤال آخر لا ينبغي تجاهله: لماذا لم يظهر هذا النقاش بالطريقة نفسها عندما أصبحت العربية والفرنسية جزءًا أساسيًا من المنظومة التعليمية والإدارية المغربية؟ إذا كان اختيار نظام الكتابة يجب أن يخضع دائمًا لدراسات علمية دقيقة، فهذا مبدأ يمكن قبوله، لكن ينبغي تطبيقه على الجميع بالمعايير نفسها. لماذا يصبح «الحرف الأنسب» قضية مصيرية عندما يتعلق الأمر بالأمازيغية فقط؟ ولماذا تتحول مسألة تيفيناغ إلى مدخل لإعادة النظر في مسار لغوي كامل بعد أكثر من عشرين سنة من اعتماده؟



