في ذكراها الـ105: كيف كسر الريف أسطورة الجيش الإسباني في أنوال؟
اليوم، 21 يوليو، تمر 105 سنوات على واحدة من أعنف المواجهات بين قوة استعمارية أوروبية ومنطقة جبلية قاتلت لتحمي استقلال قرارها: معركة أنوال. في صيف 1921، ألحقت قبائل الريف، بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، هزيمة ساحقة بالجيش الإسباني، في واقعة غيّرت مسار المنطقة لسنوات تالية وتركت أثرها في أدبيات الحرب الاستعمارية حتى اليوم.
الريف قبل المعركة: هوية جبلية قائمة بذاتها
قبل أن تتحول أنوال إلى اسم يتردد في المحافل الدولية، كان الريف عالَما قائما بخصائصه: سلسلة جبلية وعرة تمتد من قبائل غمارة غربا إلى حوض نهر ملوية شرقا، يطل شمالا على البحر المتوسط. سكانه أمازيغ اشتهروا تاريخيا بتنظيم شؤونهم عبر مجالس القبائل (“إمغارن”)، بعيدا عن أي سلطة مركزية فعلية كانت تصل إلى هذه الجبال الوعرة.
هذا التكوين القَبَلي المستقل هو ما جعل الريف، عمليا، منطقة تدير نفسها بنفسها حين بدأ التوغل الإسباني في مطلع القرن العشرين انطلاقا من قاعدتي سبتة ومليلية المحتلتين منذ القرن السابع عشر. فحين فُرضت “الحماية” الإسبانية على شمال المغرب بموجب اتفاق 1912، كانت هذه الحماية على الورق أكثر منها على الأرض: قبائل الريف لم تعترف عمليا بأي سلطة خارجية، سواء إسبانية أو غيرها، واستمرت تدافع عن استقلالية قرارها بالسلاح.
من الثورة الأولى إلى ولادة قيادة جديدة
لم تكن أنوال أول رصاصة تطلق في وجه الغزاة. بين 1909 و1912 قاد محمد أمزيان أولى موجات المقاومة حتى استشهاده. لكن الزخم الحقيقي تبلور مع صعود شخصية جديدة: محمد بن عبد الكريم الخطابي.
وُلد الخطابي عام 1882 في قرية أجدير، لعائلة ذات مكانة داخل قبيلة “بني ورياغل”، إحدى أكبر قبائل الريف نفوذا. تلقى تعليمه الديني في جامعة القرويين، ثم درس القانون في إسبانيا حتى نال الدكتوراه، وعمل لفترة في القضاء داخل مليلية المحتلة. هذا الاحتكاك المباشر بالإدارة الاستعمارية منحه فهما دقيقا لنقاط ضعفها.
بعد اعتقاله عام 1920 ووفاة والده في معارك المقاومة، عاد الخطابي إلى قبيلته وتولى زعامتها. وبدل الاكتفاء بمقاومة قبلية متفرقة كما كان سائدا، عمل على توحيد كلمة قبائل الريف تحت قيادة واحدة، ونظّم تدريب المقاتلين، وأسّس أسلوبا قتاليا قائما على حرب الكمائن والاستفادة القصوى من وعورة الجبال، إلى جانب تخزين الأسلحة استعدادا لمواجهة شاملة.

أنوال: ساحة اختارتها الجغرافيا لا الصدفة
اسم “أنوال” بالأمازيغية يعني “الأخدود”، في إشارة إلى الحرارة الشديدة التي تشتد فيه صيفا. الموقع، الذي يقع على مسافة نحو 60 كيلومترا من مليلية، احتلته القوات الإسبانية في يناير 1921 في محاولة للتقدم نحو معقل قبيلة “آيت ورياغل”، مركز القيادة الريفية.
قاد الحملة الإسبانية الجنرال مانويل فرنانديز سلفستري، العسكري المخضرم الذي خدم سابقا في كوبا والفلبين، وكان مدعوما بجيش تجاوز عدده 22 ألف جندي مزودين بالمدفعية الحديثة. في المقابل، لم يكن تحت إمرة الخطابي أكثر من نحو 4 آلاف مقاتل، أغلبهم بأسلحة تقليدية، لكنهم امتلكوا معرفة تفصيلية بالتضاريس، وعنصر المفاجأة، والقدرة على قطع خطوط الإمداد.
سير المعركة: كيف انقلب ميزان القوى؟
بعد سلسلة اشتباكات ممهدة كبّد فيها الريفيون القوات الإسبانية خسائر متلاحقة، نجح مقاتلو الخطابي في محاصرة جيش سلفستري داخل أراضي أنوال، وقطعوا عنه أي إمكانية لكسر الحصار. اضطرت القوات الإسبانية إلى الانسحاب الفوضوي، وتحوّل التراجع إلى ما يشبه الانهيار الكامل: سقط أكثر من 100 موقع عسكري إسباني في يد المقاومين خلال أيام قليلة.
قُتل الجنرال سلفستري خلال المعركة وهو يراقب انسحاب قواته، فيما لم تنجُ سوى فرقة واحدة بقيادة جنرال آخر يدعى نافارو، سرعان ما تمت محاصرتها وأسر قائدها لاحقا. وبين 13 يوليو و9 أغسطس من العام نفسه، خاضت قوات الخطابي أكثر من 200 مواجهة أدت إلى سقوط قرابة 196 موقعا إسبانيا إضافيا في مناطق الريف.

حصيلة الهزيمة وصداها في مدريد
تختلف التقديرات حول عدد القتلى الإسبان، لكن المصادر الإسبانية الرسمية نفسها أقرت بخسائر فادحة بلغت آلاف الجنود، إلى جانب آلاف الجرحى ومئات الأسرى، فضلا عن غنائم ضخمة من الأسلحة والذخائر والعتاد وقعت في يد المقاومين. كتب الخطابي لاحقا في مذكراته أن تلك الغنائم منحت قواته، في ليلة واحدة، ما يكفي لخوض حرب طويلة.
الأثر السياسي في إسبانيا كان بالحجم نفسه: استقالت الحكومة الإسبانية بعد أقل من أسبوعين من الهزيمة، وانقسم الجيش على نفسه، وارتفعت أصوات داخل إسبانيا تطالب بمحاسبة المسؤولين عن الكارثة. المقيم العام الإسباني بالمغرب وقتها وصفها بأنها أعظم كارثة عسكرية عرفتها بلاده، فيما خصّص لها مؤرخون وصحفيون إسبان كتبا ودراسات ما تزال مرجعا إلى اليوم.
جمهورية الريف: حين تحوّل الانتصار إلى مشروع سياسي
الانتصار في أنوال لم يبقَ حدثا عسكريا معزولا، بل مهّد الطريق أمام مشروع أوسع: إعلان جمهورية الريف ككيان سياسي وإداري مستقل، ترأسه الخطابي بين 1921 و1926، بمؤسساته الخاصة ونظامه الإداري القائم على تحالف القبائل. كان هذا الكيان تجسيدا فعليا لواقع كان قائما أصلا: منطقة جبلية أدارت نفسها بنفسها لعقود، لم تخضع فعليا لا لسلطة إسبانيا الاستعمارية ولا لأي سلطة مركزية أخرى في تلك الحقبة.
استمرت المقاومة الريفية بعد أنوال في تحرير مواقع جديدة، من بينها استرجاع مدينة شفشاون عام 1925، إلى أن أدرك الفرنسيون خطر امتداد الثورة إلى مناطق نفوذهم، فتحالفوا مع إسبانيا في حملة عسكرية مشتركة سنة 1926 استُخدم فيها السلاح الكيميائي لسحق المقاومة. استسلم الخطابي في مايو 1926 تجنبا لإبادة سكان الريف، ونُفي إلى جزيرة “ريونيون” لعقدين تقريبا، قبل أن يطلب لجوءه السياسي في مصر عام 1947، حيث بقي حتى وفاته عام 1963.

لماذا ما زالت أنوال حاضرة اليوم؟
بعد 105 سنوات، لا تزال معركة أنوال مرجعا يُستحضر كلما نوقشت حروب التحرر ضد الاستعمار في القرن العشرين. تأثيرها تجاوز حدود الريف والمغرب، وأشار قادة ثورات لاحقة، من فيتنام إلى الصين، إلى استلهامهم من أسلوب حرب العصابات الذي طبّقه الخطابي. وتبقى القصة تذكيرا بأن منطقة جبلية محدودة العدد والعتاد استطاعت، بالتنظيم ومعرفة الأرض، أن تُلحق بإحدى القوى الاستعمارية الأوروبية أسوأ هزيمة في تاريخها العسكري.



