الأمازيغية بين الاعتراف الدستوري والتأخر في التنفيذ

المشكل في المغرب ليس وجود الأمازيغية، بل التأخر في الاعتراف العملي بها. فالفراغ الذي يتركه غياب السياسات العادلة، تملؤه الإيديولوجيات والصراعات.
قد تبدو هذه الجملة صادمة للبعض، لكنها في نظري تختصر جانبًا كبيرًا من واقع النقاش الدائر اليوم حول الأمازيغية في المغرب. فبعد أكثر من خمسة عشر عامًا على دستور 2011، ما زلنا نعيش السجالات نفسها، ونسمع الاتهامات نفسها، ونشهد العودة المتكررة إلى نقاشات كان يفترض أن تكون قد حسمت دستوريًا وسياسيًا.
لقد نص الفصل الخامس من دستور 2011 على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة دون استثناء. ثم جاء القانون التنظيمي رقم 26.16 ليحدد مراحل وكيفيات تفعيل هذا الطابع الرسمي في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام وباقي المرافق العمومية. وكان الاعتقاد السائد آنذاك أن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن النقاش سينتقل من المطالبة بالاعتراف إلى كيفية تنزيل هذا الاعتراف.
لكن ما وقع هو أن الانتقال من النص الدستوري إلى الواقع كان أبطأ مما انتظره كثيرون.
ولا يتعلق الأمر بإنكار ما تحقق من مكتسبات. فقد عرفت الأمازيغية تقدمًا في عدد من المجالات، سواء في التعليم أو الإعلام أو بعض الإدارات والمؤسسات. غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، ظلت متباينة في سرعتها وأثرها، وهو ما جعل عددًا من مظاهر التأخر محل نقاش عمومي مستمر.
وفي تقديري، فإن هذا البطء لم يؤخر فقط تنزيل مقتضى دستوري، بل ترك أيضًا فراغًا استغلته الخطابات الإيديولوجية من مختلف الاتجاهات. فعندما تتأخر المؤسسات في تنفيذ الحقوق، يبقى المجال مفتوحًا أمام من يعيد طرح الأسئلة التي حسمها الدستور، وأمام من يحول الحقوق إلى مادة للصراع بدل أن تكون أساسًا للتوافق.
لقد كان من الممكن أن يساهم التنزيل السريع والفعلي للطابع الرسمي للأمازيغية في تجفيف جزء كبير من مناخ الاستقطاب. فحين تتحول الحقوق الدستورية إلى ممارسة يومية داخل المدرسة والإدارة والإعلام، تتراجع تدريجيًا الخطابات التي تقدمها وكأنها قضية خلافية. أما استمرار التأخر، فقد جعل الأمازيغية تبدو، في نظر البعض، وكأنها ما تزال موضوعًا قابلًا للنقاش، رغم أن الدستور حسم هذا الأمر منذ سنة 2011.
ولذلك لم يعد غريبًا أن يتحول النقاش، في كثير من الأحيان، من الحديث عن جودة تدريس الأمازيغية، أو تعميم استعمالها في الإدارات، أو تطوير السياسات اللغوية، إلى نقاشات حول وجودها أصلًا، أو التشكيك في تاريخها، أو اتهام المدافعين عنها بالانفصال أو العمالة أو التطرف. وهذه لغة لا تخدم أي نقاش وطني مسؤول.
إن جزءًا من هذا الاحتقان يعود أيضًا إلى الخلط بين التاريخ والقانون. فالأمازيغية هي اللغة التاريخية الأصيلة لشمال إفريقيا، وتؤكد ذلك دراسات التاريخ واللسانيات والآثار. أما العربية، فقد ارتبط حضورها في المغرب بمجيء الإسلام، ثم أصبحت عبر القرون لغة الدين والإدارة والعلم والثقافة، قبل أن يكرسها الدستور لغة رسمية إلى جانب الأمازيغية. ولا يوجد أي تعارض بين هاتين الحقيقتين؛ فالاعتراف بالأمازيغية لا ينتقص من مكانة العربية، كما أن احترام العربية لا يبرر إنكار التاريخ أو التقليل من مشروعية الأمازيغية.
لكن الحديث عن مسؤولية الدولة وحدها سيكون قراءة غير مكتملة. فمن الإنصاف أيضًا أن تمارس الحركة الأمازيغية نقدًا ذاتيًا لمسارها خلال العقدين الأخيرين.
لقد قدمت الحركة الأمازيغية تضحيات كبيرة، وحققت مكاسب تاريخية لا يمكن إنكارها، وفي مقدمتها جعل الأمازيغية قضية وطنية، وصولًا إلى الاعتراف بها لغة رسمية في دستور 2011. غير أن هذه المكاسب لم تكن تعني نهاية النضال، بل بداية مرحلة جديدة كانت تتطلب تطوير أدوات العمل والترافع.
إلا أن جزءًا مهمًا من الجهد الأمازيغي استنزف، خلال سنوات طويلة، في خلافات داخلية وسجالات تنظيمية وشخصية، استهلكت طاقات كان يمكن أن توجه نحو بناء مؤسسات مدنية أكثر قوة، وإعداد أجيال جديدة من الباحثين والفاعلين، وتعزيز الحضور داخل الفضاءات الأكاديمية والإعلامية والسياسية، والاستفادة من المستجدات العلمية في اللسانيات والآثار والتاريخ والسوسيولوجيا لتقوية الخطاب الحقوقي وتحديث أدواته.
وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الخلافات تستنزف جزءًا من الطاقات، كانت الأصوات الرافضة أو المتحفظة على المطالب الأمازيغية تعيد تنظيم خطابها، وتعود إلى الفضاء العمومي بأدوات جديدة، مستفيدة من هذا التراجع النسبي في الزخم المدني. والنتيجة أن جزءًا من النقاش عاد إلى نقطة الصفر، بعد أن كان يفترض أن يكون قد تجاوزه…



