الأمازيغية والبرلمانيون الفائزون بجهة الشرق

انفصام الهوية
أريد في هذه التدوينة أن نتعرف قليلا على بعض مواقف البرلمانيين الريفيين الذين فازوا في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة من اللغة الامازيغية وثقافتها. أولا، أريد أن نتعرف على مدى انخراط هذه الفئة في الدفاع عن هويتهم الأمازيغية، ثم، ثانيا، أريد أن أتلمس بعض الآفاق التي قد يفتحونها أمامها بمشاريعهم ومرافعاتهم، تفعيلا للدستور وتنزيلا للقوانين التنظيمية الخاصة بها.
سأحاول في هذا البحث الأولي أن أتوقف عند مواقف تسع شخصيات برلمانية ينتمون الى أحزاب مختلفة، صوتت عليها الجماعة الريفية الناطقة بالأمازيغية بمنطقة الناظور والدريوش والشرق عموما. يتعلق الأمر بالشخصيات التالية:
1- البرلماني محمد الصادقي من حزب العدالة والتنمية
حسب البحث الذي أجريته حول هذا البرلماني في وسائل التواصل الاجتماعي، فإن هذه الشخصية لم يسبق لها، على ما يبدو، أن اتخذت من الأمازيغية قضيتها أو فرعا من هذه القضية؛ فهو لم يسبق له أن دافع عنها أو صدر عنه موقف إيجابي منها نشره على العموم أو صرح به؛ والأكثر من ذلك أنه لم يسجل عنه كونه طرح إشكالية الأمازيغية داخل أجهزة حزبه لتنزيل الدستور أو، على الأقل، لتغيير موقفهم منها. وعندما كانت القوانين التنظيمية معتقلة لدى السيد رئيس الحكومة، عبد الاله بنكيران ما بين 2012 و2016 لم يصدر عن هذا البرلماني اي موقف لصالح لغة امه أو ثقافتها، لكن المسجل عنه، مع ذلك، هو أنه وظفها (تاريفيت)، إلى جانب العربية، في تواصله السياسي وفي حملاته الانتخابية، إما لدعوة الناخبين كي يصوتوا عليه أو لشرح برنامجه وبرنامج حزبه أمام الساكنة الريفية.
2- البرلماني عبد الله البوكيلي عن حزب التجمع الوطني للأحرار
حسب المعلومات المستقاة من وسائل التواصل الاجتماعي، فإن هذا البرلماني لم يسبق له كذلك أن شكلت الأمازيغية لديه انشغالا فكريا أو سياسيا أو نضاليا. فهو لم يعرف عنه أن خاض في نقاشات سياسية أو صدرت عنه تصريحات لصالح الأمازيغية او دافع عنها داخل أجهزة الحزب والدولة. إن كل القضايا التي تشغله ويركز عليها، في خطاباته وممارساته، هي بالأساس قضايا لها علاقة بالصحة والتعليم والجالية. ولكن، على غرار برلماني العدالة والتنمية، ونظرا إلى كونه ينتمي إلى إقليم الدريوش الأمازيغي، فإنه يستعمل بدوره الأمازيغية استعمالا وظيفيا في مرافعاته الانتخابية حتى يتمكن من كسب ثقة الساكنة الريفية.
3- البرلماني عزيز مكنيف عن حزب الأصالة والمعاصرة
تكشف بعض المعطيات التي أخذناها كذلك من وسائل التواصل الاجتماعي أن هذا البرلماني ليست لديه أي مبادرات رسمية سجلت باسمه لما كان بالبرلمان وخصصت للدفاع عن اللغة الأمازيغية أو لاقتراح مسارات جديدة لتفعيل الفصل الخامس من الدستور. فحضوره السابق بالبرلمان المغربي (بمجلس المستشاري ممثلا لجهة الشرق) لم يكن، على ما يبدو، حضورا وازنا من حيث الدفاع عن الأمازيغية وثقافتها، ذلك لأن كل ما كان يركز عليه هذا البرلماني في مرافعاته له علاقة أساسا بالملفات التنموية من بنيات تحتية واستثمارات إلخ. ومرة أخرى نجده، على غرار البرلمانيين السابقين يستعمل الامازيغية استعمالا وظيفيا لاستمالة الساكنة، وفي بعض الحالات نجده يتبنى خطاب حزبه من حيث تأكيده على ضرورة مواصلة ادراجها في المؤسسات.
4- البرلماني عبد المنعم الفتاحي عن حزب الاستقلال
يتميز موقف هذا البرلماني، حسب ما توصلنا اليه من معلومات، بدفاعه عن الأمازيغية داخل قبة البرلمان، فهناك على الأقل فيديو واحد مبثوث على النت يدافع فيه على تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية وتنزيلها في قطاع العدالة والمحاكم المغربية، كما أنه طالب بتوفير المترجمين المحلفين وتكوين الموظفين في اللغة الامازيغية.
واعتبارا لانتمائه إلى منطقة الدريوش فإنه يوازي بين استعمال اللغة العربية واللغة الامازيغية في تواصله اليومي وتواصله الخطابي مع الساكنة.
5- البرلماني حليم فوطاط عن حزب الأحرار
بالنسبة لهذا البرلماني عن حزب الأحرار الذي شغل رئيس جماعة بني انصار، فإننا لا نعثر على أية مواقف معلنة صرح بها الرجل لصالح اللغة والثقافة الأمازيغيتين كما انه لم يسبق له ان تقدم بأي مقترح أو مشروع خاص به يعزز به موقف حزبه الذي وعد بتنزيل الأمازيغية على مستوى الجماعات كالجماعة التي ترأسها او على مستويات أخرى. إن أغلب الاهتمامات التي شغلت وتشغل باله هي تلك التي لها علاقة بالتنمية الترابية سواء تعلق الأمر بتدبير المرافق العمومية أو بالبنية التحتية أو بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية؛ إلا أنه، على غرار البرلمانيين السابقين نجده يستعمل الأمازيغية وظيفيا بوصفها أداة للتواصل اليومي مع المواطنين حتى يحسسهم بقربه منهم.
6- البرلماني عبد القادر قوضاض عن حزب الاتحاد الدستوري
حسب المعلومات التي عثرنا عليها، فإن موقف هذا البرلماني تعتبر إيجابية إلى حد ما، وهو ما يتجلى، كما ورد في بعض وسائل التواصل الاجتماعي، في دعمه لبعض الأنشطة الثقافية المحلية حول الأمازيغية ومساعدته للطلبة والباحثين المهتمين باللغة والتراث المغربيين وتقديم المعونة لهم للقيام ببعض الزيارات الاستكشافية للمواقع الأثرية بالمنطقة؛ وأما على مستوى البرلمان فيبدو أن الرجل انخرط، بشكل ما، في تبني مواقف الأحزاب التي كان ينتمي إليها، وذلك من خلال التصويت الإيجابي، على الأقل، على القوانين التنظيمية المتعلقة بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية وثقافتها، وهو أمر لا يحمل، في نظرنا، أي مزية، على اعتبار أن التصويت قرار يتجاوزه كفرد، فهو قرار حزب. وأما على مستوى التواصل المحلي مع الساكنة، فإننا نجده، على غرار البرلمانيين السابقين، يستعمل الأمازيغية وظيفيا، وذلك اما تقربا من هذه الساكنة أو استدرارا للأصوات الانتخابية أو تفاعلا مع مطالبها.
إلا أن المفارقة التي يسجلها عليه مناضلو الحركة الثقافية الأمازيغية بالمنطقة، هي أنه في عهده، أي لما كان رئيسا للمجلس الجماعي لمدينة العروي، تم تعريب جميع أزقة وشوارع المدينة؛ فالمدينة التي ترأس جماعتها لسنوات لا تخلو فقط من الكتابة بالأمازيغية وبحروفها تيفيناغ، بل والأدهى من ذلك أن أغلب الأزقة والشوارع سميت بأسماء دول ومدن تنتمي لمنطقة الخليج (السعودية، البحرين، الكويت، قطر، الإمارات العربية الخ.) مع تغييب للتراث التاريخي واللغوي للأمازيغية وللمنطقة.
7- البرلماني محمد المومني عن حزب الأصالة والمعاصرة
حاولنا البحث في السجلات الإعلامية التي لها علاقة بمواقفه هذا البرلماني من الأمازيغية، إلا أننا لم نجد شيئا. وهو ما يعني أن القضية الأمازيغية، بالرغم من الموقف الرسمي المتقدم نسبيا للحزب الذي ينتمي اليه، لا تدخل في لائحة اهتماماته الشخصية ذات الأولوية. فأولوياته، كما هو واضح من تدخلاته، تتركز اساسا على ملفات الاستثمار وآليات تنمية اقليم الناظور. الا أنه، بدوره، وعلى غرار البرلمانيين الآخرين، نجده يستعمل الامازيغية وظيفيا في مرافعاته السياسية وتواصله مع الساكنة تقربا منها وتفاعلا مع مطالبها.
8- البرلمانية لطيفة الطيبي عن حزب الاستقلال
تنحدر هذه البرلمانية – المحامية من مدينة زايو، وقد قادت اللائحة الجهوية بجهة الشرق وفازت بمقعد برلماني خلال الاستحقاقات الأخيرة. بالرغم من أن منطقة زايو منطقة امازيغية، كما هو معلوم، إلا أن هذه البرلمانية لم يسجل عليها كذلك أي موقف لصالح اللغة والثقافة الأمازيغيتين، سواء في شكل تصريحات أو في شكل وعود أو في شكل مشاريع لتنميتها ومنحها المكانة اللائقة بها. إن جميع ما صدر عنها من مواقف يركز أساسا وبشكل كامل على بعض مفاهيم التنمية الاجتماعية والاقتصادية لجهة الشرق إضافة إلى قضايا التشغيل والبنية التحتية…
9- البرلمانية مليكة حوليش من حزب الحركة الشعبية
بالرغم من انتماء هذه البرلمانية إلى حزب يعتبر تاريخيا حزبا يدافع عن الهوية الأمازيغية، إلا أنها، مع ذلك، لم يسجل عليها أن صرحت علنا بدفاعها عن هذه الهوية او قدمت وعدا. إن مشاغيلها، كما يبدو، ذات مضامين سياسية واقتصادية واجتماعية.
10- البرلمانية، سناء الرحموني عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (وكيلة اللائحة الجهوية النسوية بجهة الشرق)
بالرغم من البحث الذي قمنا به للتعرف على مواقف هذه البرلمانية من الأمازيغية، إلا أنني لم اعثر لها كذلك على أي تصريح منشور بخصوص الأمازيغية. وهذا في حد ذاته يحمل دلالة. فبالرغم من أن البرلمانية تنحدر من إقليم الناظور إلا أنها تظل، على مستوى موقفها من تنمية المنطقة، لصيقة بالقضايا التقليدية: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية…
الخلاصة
إن الخلاصة التي يمكن الخروج بها من هذا التتبع لمواقف هؤلاء الفائزين بمقاعد في البرلمان هي أن الأمازيغية لا تشكل بالنسبة لهم قضية ذات أولوية في حياتهم السياسية؛ فبالرغم من بعض المواقف الخجولة التي عبر عنها برلمانيان يلاحظ أن البرلمانيين الآخرين لا يعيرونها أي اهتمام وهذا بالرغم من كون بعض هذه الأحزاب تتبنى بعض مطالب الحركة الأمازيغية وتنادي بتنزيل الدستور والقوانين التنظيمية. والواقع أن هذه المواقف تجعلنا لا نسائل فقط العلاقة الموجودة بين المطالب الأمازيغية ومواقف الأحزاب، بل ونسائل كذلك وبشكل أساسي مدى انخراط السياسيين: أبناء هذه اللغة وهذه الثقافة على المستوى المحلي في دفاعهم عنها.
فإذا كانت هذه النخب السياسية لا تقدم حتى تصريحا دفاعا عن هويتها الأصلية ولا تقدم مشروعا واحدا لتنزيل قوانينها وهي التي تكون متملكة لسلطة القرار محليا وأحيانا وطنيا، فكيف يمكن مطالبة الحزب، على مستوى القمة، للقيام بما يلزم لكي تحتل هذه الهوية مكانتها الرسمية؟! لقد كان المفروض بل الواجب هو أن تنخرط هذه النخب الأمازيغية المحلية في تقديم المشاريع والضغط على قياداتها الحزبية وعلى مؤسسات الدولة لكي تلتزم بالدستور والقوانين، إلا انه نظرا لانشغالها بمصالح أخرى أو نظرا لتدني وعيها بقضايا الهوية، فإن آخر شيء تفكر فيه هو الأمازيغية: هويتها الأصلية. وهنا أتساءل إلى أي حد تمكنت الحركة الامازيغية ونخبها من تأطير هذه النخب السياسية لكي تحولها بالفعل إلى فاعلين حاسمين في مسار بناء صرح الأمازيغية المؤسساتي الذي لا يزال، للأسف، يترنح بشكل ينبئ بسقوطه النهائي.
إن الإشكالية العويصة، في نظرنا، هي أنه في الوقت الذي تصرخ فيه الحركة الأمازيغية بجميع اللغات دفاعا عن الأمازيغية تظل النخب السياسية (البرلمانية وحتى الحكومية) متكلسة وغائبة تماما عن هذا المشروع الحضاري الذي تبشر به هذه الحركة. فهل فشلت في أن توصل إليها خطابها بالرغم من أن هذا الخطاب وصل إلى أعلى قمة في الدولة؟! وهل هناك أمل في أن تتحول هذه النخب السياسية إلى حاملة للمشروع الأمازيغي داخل الأحزاب وفي البرلمان وفي دوائر السلطة الحكومية ام أنها ستظل غائبة بل ومعرقلة نظرا لتبني بعضها لخيارات ايديولوجية وهوياتية قاتلة للأمازيغية؟؟ نعم، قاتلة للأمازيغية بالرغم من كونهم يدعون عندما يكونون بين ظهراني الساكنة الأمازيغية بكونهم أمازيغ وبكون أجدادهم أمازيغ كذلك.
ملاحظة: كل المعلومات حول هؤلاء البرلمانيين تحصلت عليها من وسائل التواصل الاجتماعي، وإذا كان هناك من لديه معلومات أكثر دقة فأرجو تنبيهي إليها حتى أكون أكثر موضوعية


