Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أعلام الريف

الحاجة حلومة. ابنة الشهيد الشريف موحند أمزيان وذاكرة من ذاكرات الريف

في هذه الصورة تظهر الحاجة حلومة، ابنة الشهيد الشريف موحند أمزيان، أحد أبرز رموز المقاومة الريفية ضد الاستعمار الإسباني. لكن صورة هذه المرأة لا تحكي فقط قصة ابنة أحد رجال المقاومة، بل تعيد إلى الذاكرة شخصية ظلت، لعقود طويلة، تحمل معها جزءًا من تاريخ الريف وذاكرته الشفوية.

من عرف الحاجة حلومة عن قرب، يعرف أنها لم تكن تملّ من الحديث عن الماضي. كانت تستعيد ذكريات والدها، الشريف موحند أمزيان، وتحكي عن زمن المقاومة ورجالاتها، وعن أحداث وشخصيات بقيت حاضرة في ذاكرتها حتى سنواتها الأخيرة. كان التاريخ عندها حكايات وأسماء ووجوهًا وأماكن عاشتها أو وصلتها تفاصيلها ممن سبقوها.

وفي مدشر الزاوية بأزغنغان، حيث يوجد ضريح والدها، كانت الحاجة حلومة شخصية معروفة لدى السكان. عُرفت بقوة شخصيتها، وروح الدعابة التي كانت تميز مجالسها، وبالحِكم والأقوال التي كانت ترددها، ولا يزال بعض أبناء المنطقة يتذكرونها ويتناقلونها إلى اليوم.

وكان للشعر الريفي القديم مكان خاص في ذاكرتها. فقد حفظت الكثير من «إزران»، ذلك الشعر الشفهي الذي تناقلته نساء ورجال الريف جيلًا بعد جيل. ومن خلال ما كانت تحفظه وترويه، حملت الحاجة حلومة معها جزءًا من تراث كامل لم يُكتب معظمه في الكتب، بل عاش في الذاكرة والأغنية والحكاية والمجالس العائلية.

ولعل أكثر ما ميّزها أن ذاكرتها لم تبق حبيسة منزلها. كان باب بيتها مفتوحًا أمام الباحثين في التاريخ والمهتمين بالمقاومة الريفية ونشطاء الحركة الأمازيغية. كانوا يأتون إليها بحثًا عن شهادة أو حكاية أو تفصيل صغير قد يساعدهم على فهم حياة الشريف موحند أمزيان والمرحلة التاريخية التي عاش فيها.

حتى الباحثون الإسبان كانوا من بين زوار منزلها. ورغم أن الحديث كان يتعلق أحيانًا بمرحلة مؤلمة من تاريخ الريف وما خلفه الاستعمار الإسباني من حروب ودمار، كانت الحاجة حلومة تستقبل الباحثين القادمين من إسبانيا بالترحاب، وتفتح أمامهم ذاكرتها وبيتها، وكأنها كانت تدرك أن حفظ التاريخ يقتضي روايته لكل من جاء يبحث عنه.

ويحكي من عرفها أنها عاشت أكثر من مائة عام، وظلت حتى أواخر حياتها محتفظة بذاكرتها وقواها العقلية، وبأناقة المرأة الريفية التي ميزتها. كانت تتحدث عن أحداث تعود إلى زمن بعيد وكأن المسافة بينها وبين الماضي لم تكن سوى حكاية تبدأ بمجرد أن يجلس أحد إلى جانبها ويسألها.

رحلت الحاجة حلومة، ورحل معها الكثير مما لم يُدوّن من تفاصيل ذلك الزمن. لكن جزءًا من ذاكرتها بقي حيًا في شهادات الباحثين، وفي حكايات أهل المنطقة، وفي ذاكرة كل من جلس في بيتها يومًا واستمع إليها وهي تستعيد صفحات من تاريخ الريف.

كانت ابنة الشريف موحند أمزيان، لكنها كانت أيضًا، في حد ذاتها، واحدة من ذاكرات الريف.

رحم الله لالة حلومة، ورحم والدها الشهيد الشريف موحند أمزيان، ورحم شهداء المقاومة الريفية.

Zouhir ⵣⵓⵀⵉⵔ

هو رئيس التحرير Rfm و كاتب وباحث في الشأن الأمازيغي، وفاعل مدني مهتم بقضايا الهوية واللغة والثقافة والتنمية وحقوق الشعوب الأصلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى