ضريح سيدي شعيب أونفتاح في الريف: أكثر من 15 عاماً من انتظار الترميم وأسئلة حول مصير الذاكرة التاريخية

من ذاكرة الغناء الأمازيغي الريفي إلى أضرحة أمراء إمارة نكور، تطرح قضية سيدي شعيب أونفتاح أسئلة حول حماية التراث المادي واللامادي، وتحويل الوعود بالترميم إلى مشاريع ملموسة.

يقع ضريح سيدي شعيب أونفتاح في منطقة الريف، ويرتبط في الذاكرة الشعبية المحلية بروايات عن الولي الصالح شعيب أونفتاح، وبممارسات فنية واجتماعية ارتبطت بالغناء والرقص والاحتفالات. كما يُعد المكان جزءاً من الموروث الثقافي والشفهي للمنطقة، إذ تتداول حوله روايات تتصل بالموسيقى والحب وتعلم الغناء والعزف، فضلاً عن ارتباطه بمناسبات اجتماعية وزيارات من مناطق مختلفة من الريف وخارجه. وتمنح هذه الخصوصية للضريح قيمة تتجاوز الجانب المعماري أو الروحي، لتشمل الذاكرة الجماعية والموروث الموسيقي والثقافي المحلي.
في منطقة الريف شمال بلاد مراكش، لا تقتصر الذاكرة التاريخية على المدن القديمة والحصون والمواقع الأثرية، بل تمتد أيضاً إلى الأضرحة والمقابر التاريخية والأماكن التي احتفظت، عبر أجيال متعاقبة، بجزء من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للسكان.
ويأتي ضريح سيدي شعيب أونفتاح ضمن هذه المواقع التي تستحق الاهتمام والتوثيق والحماية، ليس فقط بسبب موقعه الطبيعي وإطلالته على البحر والجبال، بل أيضاً بسبب ما يرتبط به من روايات شعبية وممارسات فنية واجتماعية متوارثة.
لكن هذا الضريح ينتظر، بحسب إفادة حصلت عليها من المسؤول عن تسييره، منذ أكثر من خمسة عشر عاماً ميزانية لإعادة ترميمه وتأهيله. ويقول المسؤول إنه تلقى وعوداً متكررة بتخصيص هذه الميزانية، غير أن تلك الوعود لم تتحول، بحسب إفادته، إلى مشروع ملموس على أرض الواقع.
هذه الشهادة تطرح أسئلة تستحق إجابات واضحة: ما الجهات التي سبق أن وعدت بتمويل الترميم؟ وهل أُعدّت دراسة تقنية للمبنى؟ وهل خُصصت له اعتمادات مالية في أي مرحلة؟ وإذا كان المشروع قد طُرح فعلاً، فما أسباب تأخر تنفيذه؟
حتى الآن، لا تتوافر وثائق رسمية تحسم هذه الأسئلة، ولذلك تبقى الحاجة قائمة إلى توضيحات من الجهات المعنية، وإلى نشر المعطيات المتعلقة بوضع الضريح ومشاريع ترميمه المحتملة.
سيدي شعيب أونفتاح: وليّ ارتبط بالفرح والموسيقى في الذاكرة الريفية
لا تقتصر أهمية ضريح سيدي شعيب أونفتاح على الجانب المعماري أو الروحي؛ فهو يحتل مكانة خاصة في الذاكرة الشعبية الريفية، حيث ارتبط اسمه بالغناء والرقص والاحتفالات، وبفنانين شعبيين معروفين باسم «إمذيازن»، الذين أدوا دوراً مهماً في الحياة الفنية والاجتماعية للمجتمع الريفي.
وتقدم دراسة الباحث محمد أوبنال، المعنونة «تحولات الموسيقى الأمازيغية ذات التعبير الريفي»، المنشورة سنة 2020 ضمن كتاب Expressions musicales amazighes en mutation، مادة مهمة لفهم العلاقة بين الضريح والموروث الموسيقي الريفي.
ففي الصفحتين 130 و131، ينقل أوبنال رواية شعبية مفادها أن شعيب أونفتاح كان شديد الرغبة في تعلم الغناء والرقص، لكنه توفي شاباً قبل أن يحقق رغبته. ووفقاً لهذه الرواية، ارتبط الضريح لاحقاً بممارسات وطقوس شعبية لها علاقة بالموسيقى والاحتفال.
كما تربط الدراسة المكان ببعض المناسبات الاجتماعية، من بينها الاحتفال بنهاية الموسم الزراعي وعودة أفراد الأسر من الهجرة. وتكشف هذه المعطيات عن صورة لضريح ارتبط، في المخيال الشعبي المحلي، بالفرح والحياة الفنية، وليس فقط بالممارسات الدينية التقليدية.
وتتداول الذاكرة المحلية كذلك روايات عن زيارة أشخاص من مناطق مختلفة من الريف، بل ومن بلاد الجزائر أيضاً، وعن معتقدات تتصل بالحب والغرام وتعلم الغناء والعزف. وتظل هذه الروايات، بما تتضمنه من تفاصيل ومعتقدات، جزءاً من الموروث الشفهي الذي يحتاج إلى جمع الشهادات بشأنه ومقارنته بالمصادر المتاحة.
إن أهمية هذه الروايات لا تتوقف على مدى إمكانية التحقق من كل تفاصيلها التاريخية، بل تشمل أيضاً ما تكشفه عن علاقة المجتمع بالمكان، وعن الطريقة التي احتفظ بها الضريح بمكانته في الذاكرة الفنية والاجتماعية للأجيال.
ومن هنا، فإن أي مشروع لإعادة تأهيل الضريح ينبغي ألا يقتصر على ترميم الجدران والقبة، بل يستحسن أن يشمل توثيق الروايات الشفوية، وجمع شهادات كبار السن والفنانين المحليين، وتسجيل الأغاني والممارسات المرتبطة بالمكان، بما يحفظ هذا الموروث من الضياع.
إن ترميم المبنى وحده قد يحمي جزءاً من الذاكرة، لكن توثيق القصص والأغاني والممارسات المرتبطة به هو ما يساعد على نقل هذه الذاكرة الثقافية إلى الأجيال القادمة.
أضرحة أمراء إمارة نكور: صفحات من التاريخ في مواجهة النسيان
لا تنفرد قضية سيدي شعيب أونفتاح بهذا الإشكال. ففي الريف مواقع أخرى تحمل قيمة تاريخية مرتبطة بإمارة نكور، التي نشأت في شمال بلاد مراكش خلال العصور الوسطى، وكانت مدينة نكور التاريخية أحد مراكزها السياسية والحضرية.
وفي تقرير صحفي نشرته ناظورسيتي، تناولت الصحفية فاطمة سلام وضع قبور مرتبطة بأمراء نكور في منطقة تمسمان بإقليم الدريوش، ووصفت حالة عدد منها بالإهمال. كما نقل التقرير شهادات للباحث في تاريخ الريف اليزيد الدريوش بشأن وضع بعض هذه المواقع وغياب اللوحات التعريفية والحراسة والصيانة.
ومن بين المواقع التي تناولها التقرير ضريح صالح بن منصور، الذي يُنسب إليه تأسيس إمارة نكور، وقبر ابنه المعتصم، وضريح إدريس بن صالح، وقبر سعيد بن إدريس بن صالح.
وتكمن أهمية هذه المواقع في ارتباطها بتاريخ كيان سياسي استمر قروناً، وشكّل جزءاً من تاريخ شمال بلاد مراكش. كما يمكن أن تساعد دراسة هذه المواقع على فهم تطور الاستقرار البشري والعمارة والممارسات الجنائزية والذاكرة المحلية.
غير أن الحالة الراهنة لكل موقع تحتاج إلى معاينة ميدانية حديثة، لأن التقارير الصحفية السابقة لا تكفي وحدها لتحديد وضعه الحالي أو إثبات استمرار مظاهر الإهمال.
ويستدعي الأمر توثيق هذه القبور، والتحقق من هويتها التاريخية، وتحديد وضعها القانوني، ثم دراسة إمكان حمايتها وترميمها وفق المعايير العلمية. فبقاء موقع تاريخي دون تعريف واضح به، أو تعرضه للتدهور دون تدخل مناسب، قد يؤدي إلى فقدان معلومات يصعب استعادتها لاحقاً.
أمجاو وتزاغين: التراث رصيد ثقافي وتنموي
في الريف الشرقي، لا تنفصل مسألة حماية التراث عن النقاش المتعلق بالتنمية المحلية.
ففي دراسة منشورة سنة 2022 بعنوان «التراث والسياحة مدخل مهم للتنمية الترابية بالساحل المتوسطي: حالة المجال الساحلي أمجاو–تزاغين (الريف الشرقي)»، تناول الباحثان محمد القلوشي والحسن بلغيثري مؤهلات المنطقة وإمكانات توظيف التراث والسياحة في التنمية المستدامة.
وتبرز هذه المقاربة أهمية دراسة المواقع التاريخية والثقافية وتثمينها، والدور الذي يمكن أن يؤديه التراث في صون الذاكرة الجماعية وتنشيط السياحة المحلية.
فالمواقع التاريخية، إذا جرى توثيقها وتأهيلها بطريقة مسؤولة، يمكن أن تصبح جزءاً من مسارات ثقافية وتاريخية تستقطب الزوار والباحثين، وتتيح فرصاً للمبادرات المحلية في مجالات الإرشاد الثقافي والصناعات التقليدية والأنشطة الفنية.
لكن تثمين التراث لا يعني تحويل كل ضريح إلى مرفق سياحي أو تغيير طابعه الروحي. المطلوب هو تحقيق التوازن بين حماية خصوصية المكان، واحترام الممارسات المحلية، وضمان سلامة المبنى، وتوفير المعلومات التاريخية للزوار.
أما الحديث عن «إمارة أمجاو» بوصفها كياناً سياسياً مستقلاً، فيحتاج إلى أدلة تاريخية محددة قبل تقديمه باعتباره حقيقة محسومة. ولا تكفي الدراسات المتعلقة بالمجال الساحلي أمجاو–تزاغين وحدها لإثبات وجود إمارة مستقلة بهذا الاسم أو تحديد أسماء أمرائها.
لذلك، فإن البحث في الروايات المحلية المتعلقة بأمجاو ينبغي أن يجمع بين الوثائق المكتوبة والشهادات الشفوية وسجلات الأوقاف والأنساب والخرائط القديمة، مع مقارنتها بالمصادر التاريخية المتخصصة في تاريخ الريف.
بين القانون والممارسة: هل تحظى المواقع المحلية بما يكفي من الاهتمام؟
تتوفر بلاد مراكش على إطار قانوني لحماية المباني التاريخية والمواقع والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعاديات، من أبرز مكوناته القانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعاديات، الصادر بتنفي



