تعريب المجال في الريف: حين تُمحى الأسماء وتُسرق الذاكرة… إلى متى؟

ليست أسماء الأماكن مجرد تفاصيل لغوية، بل هي ذاكرة مكتوبة على الأرض. فالطوبونيميا تعكس تاريخ المجال وساكنته، وتوضح علاقة الدولة بهويته العميقة. ومن هذا المنظور، تظهر المقارنة اليوم واضحة بين الجزائر، التي بدأت بخطوات أولية لإعادة الأسماء الأمازيغية، وما يتعرض له الريف المغربي من تعريب ممنهج وتغريب مستمر لأسماء المكان والذاكرة.
في الجزائر، شهدت السنوات الأخيرة مبادرات محلية استهدفت استرجاع أو تثمين الأسماء الأمازيغية القديمة للقرى والأودية والجبال، وتصحيح تسميات جرى تحريفها خلال الاستعمار أو السياسات السابقة، مع تركيز هذه الخطوات في مناطق مثل القبائل، الأوراس، مزاب، ومجالات الطوارق. رغم أنّ هذه المبادرات لم تصبح سياسة وطنية شاملة ولم تشمل المدن الكبرى، إلا أنها تؤكد أن أسماء الأرض ليست محايدة وأن الطوبونيميا جزء من العدالة التاريخية وليس مجرد مسألة إدارية.
في الريف المغربي، نجد مساراً معاكساً، حيث تستمر سياسة التعريب للأماكن بشكل مستمر. أسماء الشوارع والأحياء تتغير وتغيب الأسماء الأمازيغية المتجذرة في الذاكرة المحلية حتى إذا كانت متداولة شفهيًا منذ قرون. هذا الواقع لا يمكن تفسيره كأخطاء إدارية عابرة، بل هو اختيار سياسي يعيد تشكيل المجال ضد تاريخه ويحوّل الريف إلى فضاء يُعاد تعريفه بأسماء لا تنتمي إليه.
الأمر لا يتوقف عند أسماء القرى والشوارع، بل يمتد إلى البنيات التحتية والإنجازات العمومية. فالطرق والمؤسسات والمرافق التي تُنجز في الريف نادرًا ما تحمل أسماء أمازيغية أو تُخلّد أعلاماً ريفية مرتبطة بالمجال، كأن التنمية مسموح بها، لكن ربطها بالهوية والتاريخ ممنوع. بهذا الفصل بين الإنجاز والذاكرة، يتحول المجال إلى فضاء وظيفي بلا جذور.
رغم وجود استثناءات قليلة مثل محمد أمزيان ومحمد بن عبد الكريم الخطابي والشريف الإدريسي، إلا أن هذه الحالات تبقى معزولة ولا تعكس سياسة طوبونيمية عادلة أو شاملة. حضور هذه الرموز لم يُواكبه مسار منهجي لتخليد باقي الأعلام الريفية، ولا عدالة في تسمية الشوارع والساحات والمؤسسات، ولا ربط فعلي بين المجال وتاريخه العميق.
المفارقة أن الجزائر، رغم إرثها الطويل مع القومية العروبية، بدأت – ولو ببطء – مراجعة أسماء الأرض، بينما في الريف، حيث الأمازيغية مُعترف بها رسمياً، يستمر تعريب المجال وتغييب الأعلام المحلية وفصل التنمية عن الذاكرة. هذا يجعل الاعتراف اللغوي بلا مضمون إن لم ينعكس في الفضاء العام.
إلى متى ستستمر سياسة تعريب الشوارع والأحياء والإنجازات في الريف؟ إلى متى ستعامل الأمازيغية كزينة ثقافية لا كجذر تاريخي مؤسس؟ وهل سيكون هناك تدخل حقيقي لإيقاف هذا المسار، وفتح ورش لإعادة الأسماء الأمازيغية الأصلية، وربط التنمية بالذاكرة، كما بدأ – جزئياً – في الجزائر؟ أم سيبقى الريف المجال الذي تُبنى فيه الطرق دون أن تُسمّى بلغته؟
الأرض التي تُنتزع منها أسماؤها تُنتزع منها ذاكرتها، والمجال الذي تُفصل إنجازاته عن تاريخه يُحوّل إلى فضاء بلا جذور. استمرار تعريب الريف ليس تأخراً إدارياً، بل اختيار سياسي ضد الذاكرة، والتاريخ لا يُمحى باللافتات لكنه يفضح من يُصر على طمسه.



