فن و ثقافة

بيلماون في منطقة الريف: طقوس الهوية والذاكرة الجماعية

تتعدد التسميات التي يُطلقها المغاربة على هذه الظاهرة الاحتفالية العريقة بتعدد المناطق واللهجات، غير أن منطقة الريف تحتفظ بموروثها الخاص المتجذر في الأمازيغية. فكلمة بيلماون — أو بويلماون — مشتقة من كلمة “إيلم” الأمازيغية التي تعني الجلد، وجمعها إيلماون، في إشارة صريحة إلى الجلود التي يرتديها المحتفلون. وتحضر إلى جانب هذه التسمية أسماء أخرى متداولة في الريف كـ”بوهيدور” و”بويبطاين”، فضلاً عن “سونة” في المنطقة الشرقية، حيث يربط بعضهم هذا الاسم بكلمة “أسون” الأمازيغية الدالة على العزيب أو المنزل الملاصق لآخر.

وقد وثّق هذه الاحتفالات عدد من الإثنوغرافيين البارزين، من أمثال دوتي (1905 و1909)، ولاووست (1921)، وفاسترمارك (1935)، مما يدل على عمقها التاريخي وامتداد جذورها.

الاندثار في الريف واستمرار التقليد في مناطق أخرى

من المؤلم أن يُسجَّل اليوم أن احتفالات بيلماون قد اندثرت تقريبا في منطقة الريف، وانقطع خيطها بين الأجيال الشابة، إذ لم تعد تُقام كما كانت في الماضي، وذلك نتيجة تضافر عوامل عدة، في مقدمتها التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، والهجرة، وتراجع الاهتمام بالموروث الشعبي. غير أن هذا الاندثار لا يعني موت التقليد كلياً على الصعيد الوطني، فبيلماون — بمسمياته المتعددة — لا يزال حياً في مناطق أخرى من المغرب، كمراكش وأحوازها، ومنطقة حاحا ودكالة، والشياظمة والشاوية، حيث يتواصل الاحتفال به تحت أسماء كبوجلود وهرما والشويخ. ويبقى الريف إذاً شاهداً على ما كان، فيما تواصل مناطق أخرى حمل هذا الإرث وصونه.

تركيبة الفرقة وشخوصها

تتألف فرقة بيلماون من ستة إلى ثمانية أفراد، تصحبهم فرقة موسيقية تضم عازفاً على الدف (البندير)، وآخر على الزامر أو الغايطة أو الناي. ولا تكتمل الفرقة دون شخصياتها المحورية:

با الشيخ (شخشوخ): وهو شيخ الشيوخ، يرتدي جلد الخروف أو العنزي — أي أضحية العيد — ويضع قناعاً من صوف الغنم لا يُرى منه سوى ثقبتي العينين والفم، إلى جانب لحية طويلة من الصوف. ويحمل عصاً طويلة، ويضع قروناً فوق رأسه، وعقوداً وسبحات من الحلزون متدلية من عنقه، وتعلّق بملابسه أوانٍ منزلية قديمة تُحدث ضجيجاً أثناء الحركة.

الربِّي (اليهودي): يرأس الفرقة شخص يُلقَّب بـ”الربِّي” ويؤدي دور اليهودي، وهو شخصية مركّبة تلخّص كل الصور المتداولة في المعتقد الشعبي عن اليهود، إذ يُجسّد الضبع رمزاً للخوف، أو الخنزير رمزاً للخنوع. يضع على رأسه كسكاساً أو طبقاً مثقوباً من الحلفاء سخريةً من النعمة، ويلصق في مؤخرته ذنباً طويلاً للدلالة على مكانته الهزلية في الحفل. ويحمل الأعضاء الآخرون في فرقته أسماء يهودية كشمعون وهارون وينطوب.

عزونة: محور الصراع الدرامي في الحفل، شخصية أنثوية يؤديها شاب وسيم يُحسن ترقيق الصوت وأداء الدور. واسم “عزونة” مشتق، وفق بعض الباحثين، من الأصل العبري “عجونة”. ترتدي ملابس رثة وتضع مساحيق على وجهها، وتؤدي دور عشيقة با الشيخ في الحفل.

يصحب الفرقة كذلك “المعلم” الذي يتظاهر بصنع الأساور والخواتم والسلاسل وبيع الحلي للمتفرجين.

ليالي الاحتفال ومسار الأحداث

تبدأ احتفالات بيلماون مساء اليوم الأول من عيد الأضحى، وتمتد حتى ثلاثة أيام متواصلة، حفاظاً على سرية الأقنعة وعدم انكشاف هويات المشاركين. وتستعين الفرقة بالرماد والفحم وأحمر الشفاه والكحول لصنع ماكياجها، فيما يكون القمر مصدرها الوحيد للإضاءة ليلاً.

الليلة الأولى تشتعل فيها جذوة الصراع بين مجموعة با الشيخ ومجموعة اليهودي على عزونة، والغلبة لمن يفوز بها.

الليلتان الثانية والثالثة تحتضنان لوحات استعراضية مستوحاة من الحكايات الشعبية، يتقمص فيها با الشيخ دور الأسد (أجليد)، بوصفه الملك الذي لا يحق لسواه تجسيده، فيما يتنوع دور اليهودي بين الضبع والذئب والبغلة والقنفذ في رمزية شعبية ثرية.

البُعد الاجتماعي والرمزي

يتجاوز بيلماون كونه مجرد احتفال فولكلوري ليصبح فضاءً لتكسير المحظورات والخروج عن الأعراف الاجتماعية والدينية والأخلاقية. تنتهك “عزونة” حرمة المنازل، وتتحرش بالنساء، وتخترق المسكوت عنه، فيما يذر اليهودي الرماد والدقيق على الناس. وتُتبادَل حوارات جريئة تفضح أسرار بعض المتفرجين بأسمائهم الحقيقية، دون أن يُلقى ذلك إلا بالضحك والتصفيق.

وللتخلص من الفرقة وإنهاء جولتها، يُقدّم السكان صدقات من النقود واللحم والبيض دعماً لبا الشيخ في سبيل استرداد عزونة. وعند كل صدقة، يدعو “الربِّي” الحاضرين بطريقة هزلية إلى قلب أكف أيديهم نحو الأرض، في لحظة تمزج بين الدعاء والفكاهة والسخرية.

يمثّل بيلماون إرثاً شعبياً حياً يعكس تعقيدات الهوية الثقافية المغربية وتشابك روافدها الأمازيغية والعربية وذاكرتها التاريخية. وإن كانت منطقة الريف قد فقدت هذا الاحتفال من واقعها المعاش، فإن ذلك يُلقي علينا مسؤولية التوثيق والحفظ، حتى لا تُطوى صفحة كاملة من الذاكرة الجماعية طيّ النسيان. وتبقى المناطق التي لا تزال تُحيي هذا التقليد شاهدةً على حيوية الموروث الشعبي المغربي وقدرته على الصمود في وجه تحديات العصر

هيئة التحرير

موقع إعلامي شامل يُعنى بمختلف المواضيع والأخبار المرتبطة بالريف، إلى جانب المستجدات الوطنية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى