مشاريع التنمية في الريف: الاستثمار الاقتصادي وتغييب أمازيغية الريف

تعرف منطقة الريف خلال السنوات الأخيرة تسارعًا ملحوظًا في الإعلان عن مشاريع اقتصادية كبرى، من أبرزها ميناء غرب المتوسط بالناظور، إلى جانب استثمارات صناعية أجنبية في مجالات متعددة. ويُقدَّم هذا الورش في الخطاب الرسمي بوصفه بوابة للتنمية وخلق فرص الشغل، مع وعود متكررة بإعطاء الأولوية لأبناء المنطقة.
غير أن هذا الخطاب، رغم جاذبيته، يثير تخوّفًا مشروعًا لدى جزء واسع من الساكنة؛ تخوّف لا ينبع من رفض التنمية في حد ذاتها، بل من التجربة التاريخية للريف مع الدولة المركزية، ومن الطريقة التي تُدار بها هذه المشاريع دون إشراك فعلي للمنطقة، لا لغويًا ولا سياسيًا.
مشاريع بلا لغة… تنمية بلا اندماج
من المنتظر أن تستقطب هذه المشاريع أيدٍ عاملة من خارج الريف، بل ومن خارج المغرب، سواء من الخبراء أو التقنيين أو العمّال. وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه:
كيف سيتم اندماج هؤلاء في منطقة لغتها الأصلية هي الأمازيغية الريفية؟
بعد أكثر من عقدين على الإعلان الرسمي عن إدماج الأمازيغية في التعليم، تُظهر المعاينة الميدانية أن تدريس الأمازيغية في الريف يكاد يكون منعدمًا، بل غائبًا تمامًا في بعض المناطق، في مفارقة لافتة، خاصة وأن الريف يُعد من أكثر المناطق استعمالًا يوميًا للأمازيغية.
الأخطر من ذلك أن المعطيات المتداولة حول تكوين الأطر والأجانب المرتبطين بهذه المشاريع تشير إلى أن هذا التكوين يتم بالدارجة المغربية فقط، في تجاهل تام للأمازيغية الريفية، وكأن اللغة الأصلية للمنطقة غير موجودة أو غير معنية بما يجري فوق أرضها.
التخوف وسياقه السياسي: ما بعد حراك الريف
لا يمكن فهم هذه المخاوف دون استحضار السياق السياسي الذي عاشته المنطقة بعد حراك الريف، حيث تعرّضت لعملية إفراغ واسعة من شبابها بفعل الاعتقالات، والأحكام الثقيلة، والمتابعات، ثم الهجرة القسرية نحو الخارج.
وعليه، حين يُقال اليوم إن “الأولوية ستكون لأبناء المنطقة”، يصبح التساؤل مشروعًا:
أي أبناء؟ وأي شباب؟ وهل ما تزال الشروط متوفرة ليستفيدوا فعلًا من هذه المشاريع؟
هنا، لا يبدو التخوف مجرد هاجس عابر، بل نتيجة ذاكرة جماعية راكمت وعودًا لم تتحقق، وتنمية لم تصل، ومشاريع أُنجزت غالبًا تحت الضغط، لا ضمن رؤية عادلة ومشتركة.
الأمازيغية: حق دستوري لا خيار ثقافي
قانونيًا، لا تُعد الأمازيغية مطلبًا فئويًا أو ثقافيًا، بل لغة رسمية للدولة المغربية بموجب الفصل الخامس من دستور 2011. كما أن القانون التنظيمي لتفعيل طابعها الرسمي يُلزم الدولة بإدماجها في التعليم والإدارة والحياة العامة.
وبناءً عليه، فإن تغييب الأمازيغية الريفية عن برامج التكوين والاندماج المرتبطة بالمشاريع الكبرى لا يمثّل فقط إقصاءً ثقافيًا، بل يشكّل تناقضًا صريحًا مع الالتزامات الدستورية، ويطرح سؤال الإرادة السياسية في تفعيل هذا الطابع الرسمي، خصوصًا في المناطق التي تُعد فيها الأمازيغية لغة المجتمع لا لغة الأقلية.
مقارنة ضرورية: الباسك وكاتالونيا
في إقليمي الباسك وكاتالونيا، لا تُعتبر اللغة المحلية عائقًا أمام الاستثمار، بل شرطًا أساسيًا للاندماج. إذ يُطلب من المستثمرين والعمّال الوافدين، قانونيًا أو عمليًا، تعلّم لغة الإقليم (الباسكية أو الكاتالونية) واحترام خصوصياته الثقافية، باعتبارها:
- لغات رسمية
- لغات إدارة وتعليم
- ولغات سوق الشغل
والأهم أن هذه الأقاليم تتوفر على حكم ذاتي فعلي يربط التنمية بالقرار المحلي، ويمنح السكان إحساسًا بالشراكة لا بالإقصاء، وهو ما جعل الاستثمار عامل استقرار لا مصدر توتر هوياتي.
تصور حركة الأوطونومية للريف: تنمية بقرار محلي
انطلاقًا من هذه المقارنة، تطرح حركة الأوطونومية للريف تصورًا واضحًا مفاده أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون حكم ذاتي للريف، يضمن:
- جعل الأمازيغية الريفية لغة رسمية للمنطقة في التعليم والإدارة والتكوين
- فرض برامج اندماج لغوي وثقافي إلزامية على كل وافد للعمل أو الاستثمار
- إعطاء الأولوية الفعلية لأبناء الريف بعد تأهيلهم بلغتهم ووفق حاجيات المشاريع
- نقل القرار التنموي من المركز إلى مستوى جهوي حقيقي
في هذا الإطار، لا يُنظر إلى الوافد كتهديد، بل كشريك، شريطة احترام لغة وهوية الأرض، كما هو معمول به في تجارب الحكم الذاتي الناجحة.
سؤال مفتوح للدولة
إن الريف لا يرفض المشاريع الكبرى ولا يعادي الاستثمار، لكنه يرفض أن يتحول إلى فضاء اقتصادي بلا لغة ولا قرار.
وأمام ما هو قادم، يظل السؤال السياسي الجوهري مطروحًا:
هل الدولة مستعدة لأن تتعلّم من تجارب مثل الباسك وكاتالونيا، وتربط التنمية بالحكم المحلي واللغة؟
أم أن الريف سيظل يُدار بمنطق استثماري، دون اعتراف كامل بهويته وحقوقه؟



