كُتّاب وآراء

هل الأمازيغية مجرد رافد من روافد الثقافة الوطنية؟ قراءة نقدية في مفهوم شائع

حضرتُ نشاطًا ثقافيًا نظمته إحدى الجمعيات الإسلاموية بمدينة الناظور، ولاحظتُ لافتة كبيرة كُتب عليها:
«الأمازيغية رافد من روافد ثقافتنا الوطنية».

قد يبدو هذا الشعار، للوهلة الأولى، موقفًا تصالحيًا وإيجابيًا تجاه الأمازيغية، بل ويعتبره البعض أقصى ما يمكن تقديمه من “اعتراف” بهذه الثقافة. غير أن التمعّن في هذه العبارة يكشف أنها ليست بريئة ولا محايدة كما يُتصور، بل تنطوي على خلل مفاهيمي عميق يقلب الحقائق التاريخية والثقافية رأسًا على عقب.

مفهوم “الرافد”: دلالة لغوية ومعنى سياسي

في المعنى اللغوي، يُقصد بالرافد مجرى مائيًا فرعيًا، دائمًا أو مؤقتًا، يصب في نهر رئيسي أكبر منه. والرافد ليس أصل النهر، بل يأتي من خارجه، وقد يجف أو يختفي، بينما يظل النهر الرئيسي ثابتًا ومستمرًا.

وعند إسقاط هذا المفهوم على الثقافة والهوية، يبرز السؤال الجوهري:
ما هو النهر الأصلي في الثقافة المغربية؟ وما هي الروافد التي صبّت فيه عبر التاريخ؟

الأمازيغية: ثقافة الأصل لا ثقافة الرافد

تاريخيًا، تشكّل المجال الجغرافي المعروف بـ«تامازغا» منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة على أساس اللغة والثقافة الأمازيغيتين. وخلال هذا الامتداد الزمني الطويل، تعاقبت على هذه الأرض حضارات ولغات وثقافات وافدة من الشرق والغرب، من بينها الفينيقية، البونيقية، اللاتينية، اليهودية، المسيحية، العربية، الإسلامية، ثم الفرنسية والإسبانية في العصر الحديث.

بعض هذه الثقافات اندثر، وبعضها استمر في مواطنه الأصلية، وبعضها ترك بصمات لغوية وثقافية واضحة داخل الأمازيغية نفسها. غير أن القاسم المشترك هو أن الأمازيغية ظلت الإطار الحضاري والثقافي الثابت الذي استوعب هذه التأثيرات دون أن يفقد جوهره أو خصوصيته.

قلب الحقيقة: من الثابت إلى المتغير

بناءً على هذا المعطى التاريخي، يصبح القول إن «الأمازيغية رافد من روافد الثقافة الوطنية» قولًا غير دقيق، بل ومضللًا.
فالمنطقي والتاريخي هو العكس تمامًا:

الثقافة الوطنية المغربية في أصلها أمازيغية، وقد اغتنت بروافد متعددة عربية، إسلامية، إفريقية، متوسطية وأوروبية.

أما تحويل الأمازيغية إلى مجرد “مكون” أو “رافد”، فهو اختزال متعمّد يجعل من الأصل فرعًا، ومن الدائم مؤقتًا، ومن الكلي جزءًا، وهو ما يفضي عمليًا إلى التقليل من مكانتها الرمزية والسياسية داخل الفضاء الوطني.

خطورة “المسلمات” الجاهزة

تكمن خطورة هذه العبارة في أنها تحولت، بفعل التكرار، إلى مسلمة غير قابلة للنقاش. والمشكلة ليست في العبارة في حد ذاتها، بل في النتائج التي تُبنى عليها:
سياسات لغوية مترددة، إدماج شكلي للأمازيغية، وتأجيل دائم لرد الاعتبار الحقيقي لها.

وعندما تكون المسلمة خاطئة، فإن كل الاستنتاجات المنبثقة عنها تكون بدورها خاطئة.

رد الاعتبار يبدأ بتصحيح المفاهيم

إن إنصاف الأمازيغية لا يمر فقط عبر القوانين أو الخطابات الرسمية، بل يبدأ أساسًا من تصحيح المفاهيم، ومراجعة ما يُقدَّم على أنه “بديهي” و“متوافق عليه”.

فالأمازيغية ليست رافدًا في نهر الثقافة الوطنية،
بل هي النهر الأصلي الذي صبّت فيه روافد متعددة عبر التاريخ، دون أن تجف مياهه أو تنقطع جذوره.

محمد بودهان

كاتب وباحث أمازيغي مغربي، يُعدّ من أبرز الأصوات الفكرية المدافعة عن الأمازيغية كلغة وثقافة وهوية أصلية للمغرب. عُرف بمقالاته النقدية وتحليلاته العميقة التي تناقش قضايا الهوية، واللغة، والسياسة الثقافية، وتصحيح المفاهيم السائدة حول الأمازيغية والتاريخ المغربي. يتميز أسلوبه بالوضوح والجرأة والدقة المفاهيمية، وله إسهامات وازنة في النقاش العمومي حول العدالة اللغوية والثقافية بالمغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى