كُتّاب وآراء

مشروع مصنع إطارات العجلات بأمجاو الدريوش: نعمة تنموية أم نقمة بيئية؟

عندما يُعلن عن مشروع صناعي ضخم في الريف الشرقي، فمن الطبيعي أن يُستقبل بالأمل. فإقليم الدريوش والمناطق المجاورة عانت طويلًا من التهميش وتحتاج إلى فرص شغل واستثمارات حقيقية. ويُقدَّم اليوم مصنع إطارات السيارات بأمجاو كمنعطف اقتصادي مهم قد يساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وخلق مناصب شغل جديدة.

لكن التنمية الاقتصادية لا تُقاس فقط بعدد الوظائف، بل بمدى احترام المشروع للبيئة وصحة الإنسان، وبمدى تكافؤ المعايير بين مختلف جهات المملكة. فالأمل وحده لا يكفي، والمشاريع الصناعية الكبرى تُقاس بوضوح الرؤية التي تؤطرها وبمدى التزامها بمبادئ التنمية المستدامة.

صناعة الإطارات والتحديات البيئية

تُعد صناعة الإطارات من الصناعات المعروفة عالميًا بتحدياتها البيئية، سواء من حيث الانبعاثات الصناعية أو تدبير النفايات أو استهلاك الطاقة. وتشير تقديرات دولية إلى أن نحو 30٪ من التلوث البلاستيكي العالمي ناتج عن تآكل إطارات السيارات، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول آليات الحد من التأثير البيئي لهذه الصناعة.

السؤال الجوهري ليس: هل نريد الاستثمار في الدريوش؟
بل: هل تم توفير كل الضمانات ليكون هذا الاستثمار آمنًا ومستدامًا؟

العدالة المجالية وتكافؤ المعايير

من حق سكان الدريوش والناظور أن يتساءلوا: هل المعايير البيئية المعتمدة في أمجاو هي نفسها المطبقة في مدن كبرى مثل الدار البيضاء؟ هل شروط الترخيص والمراقبة البيئية تعتمد نفس الصرامة في جميع الجهات؟

السؤال لا يستهدف مدينة بعينها، بل يتعلق بمبدأ العدالة المجالية. فإذا كانت الدولة تعتمد معايير صارمة في بعض المناطق، فمن الطبيعي أن تُطبَّق المعايير نفسها في كل الجهات دون تفاوت.

البطالة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتخفيف شروط الحماية البيئية. فلا يمكن وضع المواطن أمام خيار بين الشغل والصحة. التنمية الحديثة تقوم على الجمع بينهما، لا المقايضة بينهما.

أمجاو كقطب صناعي: هل تم تقييم الأثر التراكمي؟

تشهد منطقة أمجاو مشاريع صناعية متعددة، ما يطرح مسألة التأثير البيئي التراكمي. هل تم تقييم الأثر البيئي الإجمالي لكافة المشاريع مجتمعة؟ أم أن كل مشروع خضع لدراسة منفصلة دون احتساب الانعكاسات المشتركة؟

التجارب الدولية تؤكد أن غياب النظرة الشمولية قد يؤدي إلى تحديات بيئية وصحية غير متوقعة على المدى المتوسط والبعيد.

استفسار مشروع لتعزيز الشفافية

من المهم التأكيد أن هذا الطرح ليس اتهامًا لأي جهة، بل استفسار مشروع يبحث عن مزيد من الوضوح والشفافية. هل نُشرت دراسة الأثر البيئي للعموم؟ هل توجد أنظمة قياس دقيقة ومستمرة للانبعاثات؟ هل هناك التزام واضح بخفض البصمة الكربونية واعتماد الطاقات النظيفة؟ وهل تم إشراك الساكنة المحلية في آليات المراقبة؟

الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة من شأنها أن تعزز الثقة وتحول مصنع إطارات أمجاو إلى نموذج وطني في الصناعة النظيفة.

الريف بين الاستثمار والاستدامة

الريف لا يرفض الصناعة ولا يعارض الاستثمار، بل يطالب بصناعة حديثة، نظيفة، خاضعة للرقابة، وشفافة. فإذا تم اعتماد أعلى المعايير البيئية وأُعلنت الإجراءات بوضوح، يمكن لهذا المشروع أن يشكل رافعة حقيقية لـ التنمية المستدامة في الدريوش والريف الشرقي.

أما إذا بقيت الأسئلة دون توضيح، فسيظل القلق قائمًا. لأن التنمية التي تحمي صحة مواطنيها وتحترم بيئتها هي وحدها التي تستحق أن تُسمى تنمية حقيقية.

سعيد ختور

سعيد ختور مزداد بايث سعيذ، فاعل جمعوي وحقوقي، وباحث في الثقافة الأمازيغية. يهتم بقضايا التراث الثقافي والهوية، ويعمل على جمع وتوثيق التراث اللامادي. يكتب الشعر والقصص، وله إسهامات فكرية وإعلامية تُعنى بالتعريف بالثقافة الأمازيغية والدفاع عن الحقوق الثقافية والإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى