هل كان المرحوم محمد بودهان صهيونيا أم مدافعا عن القضية الفلسطينية!؟

هذا ما نشره أحد المناوئين لمطالب الحركة الأمازيغية، فقد كتب معلقاً بمناسبة تأبين المرحوم محمد بودهان أن هذا الأخير كان صهيونياً أو صديقاً للصهاينة، مستدلاً في ذلك بجزء من كلامه الذي أخرجه من سياقه ومحملاً إياه معنى ليس هو المعنى الذي أراده المرحوم. فلقد جاء على لسان المرحوم، كما ادعى كاتب التدوينة، أن محمد بودهان دعا السلطات المغربية إلى اعتقال كل من يدافع عن القضية الفلسطينية.
والواقع أن مضمون المقال الذي كتبه المرحوم، والذي يحمل عنوان: “لا لممارسة الابتزاز على المؤسسة الملكية باسم فلسطين”، جاء في سياق التهييج الذي قام ويقوم به القوميون والإسلاميون باسم فلسطين لتكريس واقع التعريب والانتماء العربي ولمعاندة السياسة الملكية في دفاعها عن الوحدة الوطنية. فمن المعلوم أن القوميين والإسلاميين لم تشغلهم القضية الفلسطينية بوصفها قضية عادلة لشعب مستعمر ومظلوم، ولكنها شغلتهم فقط لكونها قضية عربية، ويوظفونها في غالب الأحوال لقضاء مآرب أيديولوجية كرستها المرجعيات الانقلابية للبعثيين في الخمسينات والستينات والسبعينات، ومن تلاهم من الإسلاميين بعد ذلك.
إنه مقال، إذن، لم يأت أبداً في سياق معاداته للقضية الفلسطينية، كما ادعى صاحب التدوينة، بل جاء في سياق آخر هو سياق استغلال فلسطين من أجل تجييش مشاعر المغاربة خدمة لأجندات سياسية وهوية لا علاقة لها بالقضية الحقيقية للفلسطينيين الذين يكتوون بنارها. إن المرحوم بودهان كان له موقف واضح ومساند للقضية الفلسطينية، بل وظل، كما سنرى، ينتقد بشكل لا هوادة فيه كل ممارسات القتل والتدمير الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.
إن ما استغرب له محمد بودهان، وهو يتحدث في ذلك المقال عن الزيارة الرسمية التي قام بها وزير خارجية إسرائيل، سليفان شالون، في شتنبر 2003 إلى المغرب (وهذه هي مناسبة كتابته للمقال)، هو كيف رحبت السلطة الفلسطينية بتلك الزيارة، على اعتبار أنها ستساهم في إيجاد حل عادل للقضية، وكيف شحذت النخبة القومية والإسلامية أقلامها وأبواقها لانتقاد تلك الزيارة. يقول بودهان:
“المفارقة الغريبة هو أن السلطة الفلسطينية رحبت بالزيارة وثمنتها باعتبارها تساهم في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. وهو نفس الموقف الذي عبر عنه سفير فلسطين بالرباط أبو مروان. لكن هذه المجموعة من المغاربة الذين نددوا بزيارة الوزير الإسرائيلي للمغرب، يصرون أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم. إنها مأساة وملهاة الوعي الزائف والشقي لدى التيار العروبي والإسلاموي—وهل هناك فرق بينهما بالمغرب؟” (محمد بودهان، الهوية الأمازيغية للمغرب، ص: 273-274).
وإذن فإن موقف المرحوم بودهان لم يأت في سياق معاداته لفلسطين أو للقضية الفلسطينية، بل جاء انتقاداً لمواقف العروبيين والإسلاميين الذين يتخذون فلسطين مطية لقضاء مآرب أخرى ذات صلة بالهوية التي يدافع عنها هو بنفسه منذ أكثر من أربعين سنة. كما أنه جاء كذلك دفاعاً عن الوحدة الوطنية المغربية، خاصة وأن بعض الفصائل الفلسطينية تعادي هذه الوحدة، وهو ما فصله في مقاله المعلوم.
أما موقفه الحقيقي من القضية الفلسطينية، فيمكن الإحالة إلى مقال آخر نشره بهسبريس في شهر نونبر 2023 بعنوان: “الإنسان المستباح بفلسطين”. ففي هذا المقال يدين المرحوم بودهان عمليات التقتيل والتدمير التي يتعرض لها الفلسطينيون، ويعتبر فلسطين أرضاً محتلة بفعل “حق القوة” الذي تمارسه كل من إسرائيل وأمريكا. يقول في هذا السياق:
“ما تقوم به إسرائيل بفلسطين عامة وبغزة خاصة، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر 2023، من تقتيل جماعي للسكان دون أن تُسأل عن ذلك أو تُحاسب، لا يمكن تفسيره إلا بكونها تتعامل مع الفلسطيني كـ’إنسان مستباح‘، بالمعنى الذي يعنيه مصطلح ‘هومو ساتشر’ في القانون الروماني القديم، كما شرح ذلك أجامبين.”
ويضيف بودهان، واصفاً تلك الاستباحة التي تم تلبيسها لباس القانون، فيقول:
“لكل إسرائيلي، جندياً كان أو مجرد مستوطن مدني، الحق في أن يقتل، وفي أي وقت، الفلسطيني دون أن يعني ذلك أن هذا الإسرائيلي قد ارتكب ما هو مخالف للقانون أو اقترف جريمة، إذ هذا القتل نفسه هو تصرّف قانوني يجيزه وضع الفلسطيني كـ’إنسان مستباح‘، تماماً كما كان وضع ‘الهومو ساتشر’ في القديم.”
وينتهي المرحوم بودهان إلى قناعته الخاصة حول القضية الفلسطينية فيقول بكل وضوح:
“القضية الفلسطينية، عندما نجردها من زيها القومي والإسلامي الذي يُلبس لها، قضية إنسانية وعادلة، تتعلق بحالة احتلال أرض الغير (قرار مجلس الأمن رقم 242 بتاريخ 22 نوفمبر 1967 يؤكد هذا الاحتلال) وطرده منها بالقوة، وقتل كل من يحاول استرجاع أرضه المسلوبة.”



