كُتّاب وآراء

الأمازيغية لا تحتاج شهادة ميلاد من أحد

20 مايو 2026

إنه لأمر مخزٍ ومقرف، أن نجد في 2026 من لا يزال ينظر للأمازيغية بنفس منظار أرسلان وباقي شلة القوميين قبل 120 سنة، الذين ظلوا يحملون في جوفهم نفس نظرة الأمويين إزاء إيمازيغن قبل قرون خلت، التي يجسدها ردّ هشام بن عبد الملك على المظالم التي رفعها أهل شمال إفريقيا إلى دار الخلافة بدمشق، فما كان ردّه إلا “أن لا يسلموا حتى يعربوا”، وبذلك ظلوا يدفعون الجزية بعد إسلامهم طيلة 80 سنة أو أكثر، حسب الروايات التاريخية المختلفة.

إنه لأمر مخز ومقرف، أن نجد في مغرب 2026 أشخاصا يتزايدون على الناس باسم الرفعة العربية، محاولين إسقاط اغترابهم الهوياتي وتيههم الذاتي على الآخرين؛ تارةً بترديد أسطوانة ظهير 16 ماي 1930 الذي أسموه “الظهير البربري” زوراً، وتارةً بمحاولة ترجمة أعراض الهلوسة والهذيان وتعليبها في نصوص يسمونها آراءً ومقالات، كالقول بأن الأمازيغية صناعة استخباراتية إسرائيلية نُفخت لأغراض التفكيك والهيمنة والسيطرة.

محاولة استخلاص شهادة ميلاد للأمازيغية في 2003 لأمر مثير للضحك بقدر ما يثير التقزز، فهي سيرورة حياتية ممتدة لأكثر من 30 قرن.

هؤلاء، رغم كل الشفقة على حالتهم، فلابد أن يعلموا أن محاولات المساس بالسيرورة الحياتية للأمازيغية الممتدة لأكثر من 30 قرن، ومحاولة استخلاص شهادة ميلاد للأمازيغية في 2003، لأمر مثير للضحك بقدر ما يثير التقزز من سفالة أصحاب هذا القول البئيس.

هؤلاء الأفّاكون الذين يرددون أن وهج الأمازيغية رهين بمكتب دراسات أو غرفة استخبارات، لم يقرأوا التاريخ، وحتى إن اطلعوا عليه لا يستوعبونه، لأنه يهدد حلمهم الواهن المتمثل في أعربة شمال إفريقيا. وكما قال محمد حسنين هيكل رحمه الله: “الاهتمام بالسياسة فكراً أو عملا يقتضي قراءة التاريخ أولا، لأن الذين لا يعرفون ما حدث قبل أن يولدوا محكوم عليهم أن يظلوا أطفالاً طول عمرهم”.

إن من يحاول تقزيم الأمازيغية وشيطنتها وإلباسها لباس العمالة والصناعة الاستخباراتية بدءا من 2003، عليه أن يعرف أن قبل هذا التاريخ اعتُقل علي صدقي أزايكو وهو يكتب عن التاريخ المزيف وضرورة كتابة التاريخ الوطني بعيداً عن ألغام القومية العربية.

وعليهم أن يدركوا أن قبل هذا التاريخ اعتُقل مناضلون عن جمعية تيليلي في مطلع التسعينيات وهم يحملون لافتة بحرف تيفيناغ نصّها “لا ديمقراطية بدون أمازيغية”، وحاكمتهم السلطة آنذاك بتهمة محاولة المساس بأمن الدولة وزعزعة استقرارها.

بل على هؤلاء المتنطعين أن يدركوا أن ثلة من الباحثين قد درسوا الأمازيغية في أطروحاتهم الجامعية كبوجمعة الهباز وقاضي قدور قبل هذا التاريخ.

على من يحاول حصر عمر الأمازيغية في سن أيوب أن يدرك أن عمار أوسعيد بوليفة قد كتب بها كتاب “السنة الأولى للغة القبائلية” سنة 1897، ومن غرائب الصدف أن في السنة نفسها انعقد مؤتمر بازل بسويسرا وظهر ثيودور هيرتزل فيه محاولاً وضع حجر الأساس للمشروع الصهيوني، الذي يحاول البعض توظيفه للنيل من الأمازيغية التي تكبره بآلاف السنين.

وعلى من يحاول توظيف شبح الصهيونية أن يدرك أن المرحوم عمار بوليفة نفسه بدأ في تدريس الأمازيغية في جامعة الجزائر سنة 1909، أي قبل وعد بلفور بتسع سنوات، أي عندما كان هذا البعبع المسمى إسرائيل عدماً.

وعلى من يحاول التحايل على التاريخ أن يدرك أن محمد بن عبد الكريم الخطابي خطب في الفوج الأول من مدرسة أجدير سنة 1923 قائلاً: “أوصيكم يا أبنائي بالقراءة والكتابة، وعليكم أن تعودوا أنفسكم على ممارسة الكتابة وتدوين خواطركم ومشاهداتكم اليومية… بل عبّروا عن أحاسيسكم باللغة الريفية أو بالعربية أو بخليط بينهما، فالمهم هو التعبير الصادق الأمين عن المشاعر”.

على من يزايد على الأمازيغية أو يحاول رميها بالشبهات أن يدرك أن عمرها أكبر من هذه الترهات السخيفة. ومن يبتغي غير ذلك فليسأل هوميروس عن الشماليين، وليسأل ابن خلدون، وليسأل أرسطو وأفلاطون، ومن درس في جامعة قورينا الأمازيغية.

شتّان بين الرأي ونوبات الهذيان، وشتّان بين الأمازيغية التي صمدت في وجه اليونان والرومان واحتكت مع أسرة الفراعنة الحادية والعشرين، وظلّت حيّة رغم حملات الغزو الأموي وما بعده، وبين من يحلم أن يلبس معطف هوية غريبة عن تربته وهواء وطنه، أو أن تُباد أمه الأمازيغية ليقول للشرقانيين: أنا منكم فاقبلوني.

لقد ظلت الأمازيغية حية بينما انكشف القناع عن كل من حاول تبخيس وجودها. ولا يطعن في عرض الأم إلا عاق، والعاق لا يُؤتمن مهما حاول أن يبدو فطناً جهبذاً. يا لعاركم.

والسلام.

★ هذا المقال يعبّر عن رأي صاحبه ولا يعكس بالضرورة موقف هيئة التحرير.

Khamis Boutakamante

خميس بوتكمانت هو كاتب رأي وفاعل جمعوي ينشط في منطقة الريف، ويرتبط اسمه بالنقاشات المتعلقة بالشأن المحلي والقضايا التنموية والاجتماعية والسياسية التي تهم المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى