Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
كُتّاب وآراء

الأمازيغية والأحزاب المغربية: بين الخطاب والممارسة

لقد ظلت الحركة الأمازيغية منذ الستينيات تثير انتباه الأحزاب المغربية إلى ضرورة الاهتمام، وليس الاعتراف، إذ كان هذا الأمر آنذاك بعيد المنال، بالأمازيغية لغةً وثقافةً. غير أن هذه الأحزاب كانت إما معادية لكل ما هو أمازيغي، أو متجاهلة لدعوات الفاعلين في الحركة الأمازيغية، أو تنظر إلى الموضوع بنوع من الاهتمام المحتشم.

مرت العقود، وتمكنت النخب الأمازيغية من نشر فكر نقدي فككت به كل الأساطير الإيديولوجية التي رسختها الحركة الوطنية عبر المدرسة والإعلام، العمومي والحزبي. كما تمكنت من إيصال صوتها إلى القصر الملكي، الذي بادر منذ سنة 2001 إلى الاعتراف بأمازيغية المغرب، وما تلا ذلك من إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم ترسيم اللغة الأمازيغية في دستور سنة 2011، وغيرها من الخطوات.

لكن، رغم كل هذه التحولات التي عرفها المشهد الثقافي المغربي، نلاحظ أن الآليات التي تشتغل بها الأحزاب السياسية في مقاربة الأمازيغية لا تزال هي نفسها. صحيح أن بعض هذه الأحزاب سايرت التوجه العام للدولة، بحيث لم تعد تكشف عن مواقفها الرافضة التي كانت تعبر عنها فيما سبق، إلا أنها، بالرغم من بعض الرتوشات التي أضفتها على خطاباتها لتتلاءم مع التوجهات الجديدة، ظلت في العمق غير معنية بإنتاج أدبيات تبرز من خلالها فلسفة الحزب ورؤيته لإشكالية الحقوق اللغوية والثقافية بالمغرب، باستثناء بعض الكلام الفضفاض هنا وهناك، وبعض التصريحات والوعود ذات النفحات الانتخابية التي تدغدغ بها مشاعر المناضلين الأمازيغ.

وعموماً، فإنه يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من المواقف تجاه الأمازيغية:

1- أحزاب لا تزال، إلى يومنا هذا، ترفض بشكل مطلق أي مأسسة للغة الأمازيغية، وهي التي عملت كل شيء من أجل تعطيل الخطب الملكية، وعدم الاعتراف بترسيم الأمازيغية، بل وتجميد الدستور بعدم إخراج القوانين التنظيمية، ولا تزال إلى اليوم تناوئ بعض القرارات المتخذة لفائدتها، مثل تدريسها وكتابتها بحرف تيفيناغ وغيرها. وتندرج في هذه الخانة كل الأحزاب الدينية والمحافظة، إضافة إلى بعض أحزاب اليسار التي لم تغير مواقفها.

2- أحزاب كان لها موقف مشرف منذ السبعينيات من الأمازيغية، وأنتجت أدبيات في هذا الشأن لفائدتها، لكنها، للأسف، ظلت إلى اليوم متكلسة، غير قادرة على تجاوز ما أنتجته منذ عقود، رغم التحولات الكبيرة التي عرفتها السياسة الثقافية بالمغرب. وهو ما يعني أن الجيل الحزبي القديم الذي أنتج هذه الأدبيات منذ السبعينيات كان أكثر إدراكاً وأوضح رؤية من الجيل الحزبي الحالي، الذي كان عليه أن يطور خطابه حول الأمازيغية، وينتج نصوصاً جديدة تعكس تصوراته الثقافية والآفاق التي يرسمها للسياسات اللغوية بالمغرب في ظل المستجدات.

3- أحزاب كان لها موقف مناوئ أو غير مبالٍ بالأمازيغية، وكانت تُحسب على ما كان يسمى بالأحزاب الإدارية. وقد تميزت هذه الأحزاب، عموماً، بمسايرة الموقف الرسمي للدولة بعد خطاب أجدير، وانخرطت بدورها في مدح التوجهات الجديدة، لكنها، في العمق، لم تكن تحمل أي تصور أو مشروع سياسي لتدبير التعدد اللغوي والثقافي بالمغرب. فهي، على غرار الصنف الثاني، لم تنتج طيلة العقدين الماضيين أية أدبيات تعكس تصوراتها وفلسفتها تجاه الإشكاليات اللغوية والثقافية بالمغرب.

هكذا إذن نجد أنفسنا أمام أحزاب سياسية تتشكل منها حكومات متعاقبة؛ منها ما هو مناوئ للأمازيغية، وتعمل نخبه السياسية والثقافية من أجل إفشال إدراجها وتعميمها داخل مؤسسات الدولة، ومنها ما يعيش على بعض التراث القديم، لكن نخبه السياسية والثقافية والفكرية الحالية لم تنتج، إلى حدود اليوم، أي فكر يعكس مبادئ التنوع والتعدد وآليات ترجمة الحقوق اللغوية والثقافية، ولم تُحيّن تصوراتها في السياق الجديد لتقدمها للذين ينتخبونها، ومنها ما يساير الخطاب الرسمي لفظاً، لكنه لا يهمه من الأمازيغية إلا أصوات الناخبين.

إن الأحزاب التي تدعي أن لديها تصورات حول كيفية تدبير التنوع اللغوي والثقافي هي تلك التي تمتلك أدبيات فكرية مكتوبة ومنشورة تعكس النقاشات الداخلية وحجم الوعي الذي وصلت إليه داخل الحزب. أما الأحزاب التي لم تنتج ولو وثيقة واحدة، فإن آخر ما تفكر فيه هو الأمازيغية.

عبد السلام خلفي

الدكتور عبد السلام خلفي، أكاديمي وباحث من قبيلة آيت سعيد، متخصص في الدراسات الأمازيغية واللسانيات. عضو في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالرباط، وله إسهامات مهمة في الحفاظ على الهوية الأمازيغية ودراسة لغاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى