إسبانيا لم تخف من تعدد أعلامها. فلماذا يخاف بعض المغاربة من العلم الأمازيغي؟

توّجت إسبانيا بكأس العالم 2026، لكن الصورة التي انتشرت أكثر من صورة الكأس نفسها جاءت من مراسم التتويج: سبعة لاعبين من المنتخب الفائز ظهروا حاملين ستة أعلام مختلفة عن العلم الإسباني الرسمي. غافي رفع علم الأندلس، داني أولمو حمل “السنييرا” الكتالونية، بيدرو بورو مثّل إكستريمادورا، بورخا إيغليسياس رفع علم غاليسيا، بينما اختار كل من يريمي بينيو وبيدري علم جزر الكناري رغم انتمائهما لجزيرتين مختلفتين ضمن الأرخبيل. أما أليكس بايينا فذهب إلى أبعد من ذلك، ورفع العلم البلدي لمسقط رأسه، روكيتاس دي مار.
المشهد لم يثر أي جدل يُذكر في إسبانيا. لم يتهم أحد هؤلاء اللاعبين بتهديد وحدة البلاد أو التنكر لانتمائهم الوطني. اعتُبر الأمر احتفاء طبيعيا بتنوع يشكل نسيج الدولة الإسبانية نفسها، دولة تضم أقاليم ذات لغات وهويات تاريخية مختلفة، من الباسك إلى كتالونيا إلى غاليسيا.
المفارقة في المشهد المغربي
في المقابل، ما إن يرفرف العلم الأمازيغي في مدرجات المنتخب المغربي، حتى تنطلق موجة من الانتقادات، ويتكرر الشعار ذاته: “للمغرب علم واحد”. هذا التناقض بين المشهدين يطرح سؤالا بسيطا ومشروعا: لماذا يُنظر إلى الاعتزاز بالهوية المحلية في دول أخرى باعتباره أمرا طبيعيا لا يستحق نقاشا، بينما يُقدَّم الاعتزاز بالهوية الأمازيغية في المغرب وكأنه إشكال يستدعي التصدي له؟
الفرق بين الحالتين لا يكمن في طبيعة الرمز، بل في الطريقة التي يُنظر بها إلى التنوع الداخلي: هل هو مصدر غنى يُضاف إلى الهوية الوطنية، أم تهديد يجب احتواؤه؟
العلم الأمازيغي لا ينافس علم المغرب
العلم الأمازيغي ليس بديلا عن العلم الوطني ولا منافسا له، بل هو رمز لهوية وحضارة تشكل الجذور التاريخية لهذا البلد قبل أن تكون مجرد مكوّن من مكوناته. الأمازيغية ليست إضافة طارئة على الهوية المغربية، بل هي أحد أعمدتها التي سبقت في الزمن كثيرا من التحولات السياسية التي مر بها المغرب عبر تاريخه الطويل.
إنكار هذا الرمز أو التضييق عليه لا يحمي الوحدة الوطنية كما يظن أصحاب هذا الطرح، بل يضعفها فعليا، لأنه يحوّل جزءا أصيلا من الهوية الوطنية إلى موضوع اشتباه دائم. الأوطان الواثقة من نفسها لا تخشى الاعتراف الكامل بتعدد روافد هويتها، ولا ترى في التنوع الثقافي واللغوي والرمزي تهديدا وجوديا، بل تتعامل معه كمصدر قوة وثراء يميزها عن غيرها.
من “علم واحد” إلى هوية واحدة متعددة الروافد
المفارقة أن دولًا ذات تاريخ طويل وبنية مركزية قوية، مثل إسبانيا، لا ترى في رفع أعلام أقاليمها خلال الاحتفالات الوطنية تهديدًا لوحدة الدولة، رغم أن بعض تلك الأقاليم شهدت أو لا تزال تشهد حركات تطالب بالاستقلال. فهناك إدراك بأن التعبير عن الهوية المحلية لا يعني بالضرورة تبني مشروع انفصالي، وأن الهوية الوطنية يمكن أن تستوعب تعدد الانتماءات.
في المقابل، لا يزال رفع العلم الأمازيغي في المغرب، وحتى في الجزائر، يثير لدى البعض مخاوف ويُقدَّم أحيانا باعتباره تهديدًا للوحدة الوطنية، رغم أن كثيرين يرونه رمزًا ثقافيًا وحضاريًا يعبر عن هوية عريقة تشكل جزءًا أصيلًا من تاريخ شمال إفريقيا.
تحويل الهوية الأمازيغية إلى موضع اتهام أو حساسية دائمة ليس فقط تجاهلا لواقع مغربي معاش يوميا بلغته وثقافته وموسيقاه وأسماء مدنه وقراه، بل هو أيضا تجاهل لتاريخ المغرب نفسه قبل أن يكون موقفا من حاضره.
في المقابل: لماذا يتحفظ البعض؟
من الإنصاف الإشارة إلى أن التحفظ على رفع أعلام غير العلم الوطني في الفضاءات الرياضية ليس موقفا معزولا أو غير مفهوم بالكامل. كثير من الدول، بما فيها إسبانيا نفسها في سياقات أخرى، تشهد توترات سياسية حقيقية حول قضايا الانفصال، كما هو الحال مع كتالونيا التي شهدت استفتاء انفصال مثيرا للجدل عام 2017. من هذا المنظور، يرى البعض أن التمييز بين “احتفاء ثقافي بريء” و”رمز ذي دلالة سياسية انفصالية” ليس دائما واضحا أو متفقا عليه، وأن بعض الحساسية تجاه الرموز المحلية في السياق المغربي مرتبطة بذاكرة تاريخية وسياسية خاصة بهذا البلد، لا يمكن قياسها ميكانيكيا على تجربة دولة أخرى.
كما يجادل آخرون بأن المؤسسة الرسمية المغربية اعترفت فعليا بالأمازيغية كلغة رسمية للدولة في دستور 2011، وأن العلم الأمازيغي تحديدا يمثل حركة سياسية وثقافية أوسع وأكثر تعقيدا من كونه مجرد رمز محلي، وهو ما يجعل مقارنته المباشرة بعلم بلدي إسباني كعلم روكيتاس دي مار غير دقيقة تماما من الناحية التاريخية والسياسية.
بين هذين الموقفين، يبقى النقاش حول كيفية التعبير عن التعدد داخل الوحدة سؤالا مفتوحا يستحق نقاشا هادئا أكثر من استحقاقه أحكاما جاهزة في أي من الاتجاهين.


