عمال مصنع أيولون الصينية بالناظور يشتكون الأجور الهزيلة ومخاطر المواد الكيماوية

استثمار صيني بـ220 مليون أورو، وعود بآلاف مناصب الشغل، وخطاب رسمي عن التنمية والطاقة المتجددة. لكن خلف واجهة مصنع أيولون في منطقة بتيوة الصناعية بالناظور، يروي عمال شباب قصصاً مغايرة تماماً: أجور هزيلة، تعرض يومي لمواد كيماوية خطرة، ساعات إضافية قسرية، وغياب شبه تام للحماية الصحية والاجتماعية.
فريق التحرير الاستقصائي • الناظور، 28 أبريل 2026
الناظور — حين أعلنت شركة أيولون رينيوبل إنيرجي المغرب عن انطلاق أشغال مصنعها في يناير 2024، استقبلت المنطقة الخبر بارتياح حذر. استثمار بـ220 مليون أورو، وأكثر من 3300 منصب شغل موعود، ومصنع يُقال إنه سيكون الأكبر من نوعه في منطقة أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. الخطاب الرسمي كان مبهراً. غير أن الواقع الذي يصفه العمال اليوم يختلف جوهرياً عن تلك الصورة البراقة.
على مدار أسابيع، تواصل فريق تحريرنا مع عمال سابقين وحاليين في المصنع الواقع بمنطقة التسريع الصناعي ببتيوا، إقليم الناظور. الصورة التي تشكلت من شهاداتهم تكشف عن نمط موحد من الانتهاكات: أجرة لا تكفي لتغطية تكاليف التنقل، تعرض يومي لمواد كيماوية مصنفة خطرة دون وسائل حماية كافية، ساعات عمل إضافية تُفرض دون تعويض عادل، وصمت رسمي مريب إزاء حوادث صحية خطيرة تُرددها الألسن همساً.
شركة تتربع على بساط الوعود:
أيولون تكنولوجي شركة صينية تأسست عام 2007، وتتخصص في تصنيع شفرات توربينات الرياح. مصنعها في الناظور هو أول مشاريعها خارج الأراضي الصينية، وقد تمت المصادقة على مشروع استثماره بموجب ميثاق الاستثمار الجديد، وحضر حفل انطلاق أشغاله وزير الاستثمار كريم زيدان ووالي الجهة الشرقية. وقد استقطبت الشركة آلاف المتقدمين عبر الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابك).
لكن وراء هذا البساط الرسمي، ثمة معطيات غائبة عن الخطاب العلني. فالمصنع يعتمد في عمله الأساسي على الراتنجات الإيبوكسية والألياف الزجاجية والستيرين، وهي مواد كيماوية تصنفها الدراسات الدولية ضمن المواد الخطرة التي تستوجب اشتراطات صارمة في الحماية المهنية.
الكيمياء بلا حماية: خطر صامت:
ما يجعل قضية أيولون بالناظور خاصة من الناحية الصحية هو طبيعة الإنتاج ذاتها. تصنيع شفرات الرياح يعتمد اعتماداً كبيراً على مواد مركبة من راتنجات الإيبوكسي والستيرين والألياف الزجاجية. وتُجمع الدراسات العلمية الدولية على أن هذه المواد تشكل خطراً صحياً جدياً إذا لم تُتخذ احتياطات صارمة.
فالستيرين، حين يتبخر داخل مساحات التصنيع المغلقة أو شبه المغلقة، يمكن أن يبلغ تركيزات تتجاوز بكثير حدود السلامة الدولية. وقد رصدت دراسة علمية نشرها المعهد الوطني الأمريكي للسلامة والصحة المهنية (NIOSH) تركيزات للستيرين في مصانع شفرات الرياح تتراوح بين 66 و150 جزءاً في المليون — أي ما يتجاوز بمراحل حد التعرض المسموح به قصير الأمد البالغ 40 جزءاً في المليون. كما وثّقت دراسة أخرى أن التعرض لراتنجات الإيبوكسي قد يُفضي إلى التهاب جلدي تحسسي في ما يزيد عن 17 بالمئة من العمال المعرضين، فضلاً عن اضطرابات في الجهاز التنفسي والرؤية.
في هذا السياق، تأخذ شهادات عمال أيولون بالناظور بُعداً أكثر إثارة للقلق. فالعمال الذين تواصلنا معهم يصفون غياب معدات الحماية الكافية، وبيئة عمل تكثر فيها الأبخرة الكيماوية دون تهوية ملائمة. ويتردد في حديثهم ذكر حالات سرطان طالت شباباً عملوا في المصنع لم يحظوا بأي تعويض، وهو ما يُلقي بظلاله الثقيلة على مستقبل كل من يعمل في هذه المنشأة.
“كتخدم بمواد كاملة كيماوي، عطينك 3400 درهم، مكتخرج حتى 11 فشهر. كيحرثوا عليك 11 يوم إضافي من الفوق. معاملة ديال العبيد ماشي ديال بنادم. فاش مكتكونش الخدمة كيفولو لينا: حيدوا سكوتش من الأرض، أو مسحوا العجاج اللي على الماكينات.” يقول عامل سابق في مصنع أيولون، الناظور.
3400 درهم: أجرة تستنزف قبل نهاية الشهر
الراتب الذي يتقاضاه العمال في المصنع يبلغ 3400 درهم شهرياً. هذا الرقم، في سياق الغلاء المتصاعد بمنطقة الناظور وارتفاع تكاليف التنقل اليومي من البلدات المحيطة إلى منطقة بتيوا الصناعية، يبدو أقرب إلى المفارقة المأساوية. يقول العمال إن ما يصرفونه في لوجيستيك العمل — من نقل وإعاشة — يستنزف الجزء الأكبر من الراتب قبل انتهاء الشهر، ليتحول العمل إلى دورة مستنزفة بلا عائد حقيقي.
وتزيد المسألة تعقيداً ما يصفه العمال من 11 يوم عمل إضافي مفروض شهرياً بصورة تبدو قسرية وليس اختيارية، دون أن يشعر أصحابها أن التعويض عنها يتناسب مع الجهد المبذول. وفي غياب نقابات فاعلة ومستقلة تحمي حقوقهم، يجد العمال أنفسهم أمام خيار وحيد: الرضوخ أو المغادرة.
غياب التأمين: الجرح المكشوف
من أبرز ما يُثيره العمال غياب التأمين الصحي الفعلي أو عدم كفايته. في مصنع يعمل فيه العمال يومياً مع مواد كيماوية مصنفة خطرة، فإن انعدام الغطاء الصحي ليس ثغرة إدارية بقدر ما هو رهان بالصحة. حوادث العمل التي يذكرها العمال مرت دون تعويض، والحالات الصحية الخطيرة — بما فيها ما يُشار إليه من إصابات بالسرطان — تُركت دون متابعة مؤسسية.
في ظل مدونة الشغل المغربية، يُلزَم أصحاب العمل بتسجيل العمال لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتوفير بيئة عمل آمنة وفق المعايير المعمول بها. وهو ما يضع سلوك الشركة، حسب ما وصفه العمال، في مواجهة مباشرة مع الإطار القانوني الوطني.
البُعد الإنساني والاجتماعي
تمتد المخاوف المُعبَر عنها إلى ما هو أبعد من بيئة العمل الفورية. يتحدث عدد من المتواصلين معنا عن ظاهرة اجتماعية تستدعي الانتباه، تتمثل في توظيف بعض المشرفين الصينيين لعلاقات شخصية مع فتيات المنطقة بوصفها وسيلة للحصول على الإقامة والتهرب من اشتراط مغادرة البلاد كل ثلاثة أشهر. وهي إشارة إلى هشاشة بنية الرقابة على الوجود الأجنبي في المنطقة وعلى تداعياته الاجتماعية.
كما يرصد بعض العمال ما يصفونه بعنصرية في التعامل داخل الفضاء الإنتاجي، حيث يُتعامل مع الكفاءة المغربية كيد عاملة رخيصة لا كشريك في مشروع تنموي. وهو نقيض صريح للخطاب الرسمي الذي يصف الاستثمار الصيني بأنه “تعاون استراتيجي” و”شراكة متكافئة”.
ما يقوله القانون وما يحدث على أرض الواقع
مدونة الشغل المغربية واضحة: الأجر الأدنى للعمال الصناعيين يجب ألا يقل عن الحد القانوني المحدد، والعمل الإضافي يستوجب تعويضاً إضافياً لا يقل عن 25 بالمئة فوق الأجر العادي. كما تُلزم قوانين الصحة والسلامة المهنية أصحاب العمل بتوفير معدات الحماية ووسائل الإسعاف والتقييم الدوري للمخاطر المهنية.
وفي مصنع يتعامل مع مواد كيماوية مصنفة خطرة كالإيبوكسي والستيرين والألياف المركبة، فإن اشتراطات السلامة المهنية تصبح أكثر إلزامية وأكثر أهمية. وهو ما يُلقي بالمسؤولية على عاتق السلطات الإقليمية والمفتشية الإقليمية للشغل للتحقق من مدى التزام الشركة بهذه المعايير وإخضاعها للرقابة الفعلية.
أيولون من الزاوية الرسمية
تُقدم الوثائق الرسمية ومواقع الشركة مصنع الناظور بوصفه نموذجا في المسؤولية البيئية والاجتماعية: إدارة رقمية للطاقة، ومعالجة للنفايات الصناعية، وبيئة عمل حديثة. كما أن الشركة ذكرت في وثائق توظيف صادرة عنها وجود منصب “مدير السلامة البيئية والصحية والأمنية” المسؤول عن الإشراف على التزامات السلامة المهنية في المشروع.
وقد طلب فريق تحريرنا من الشركة الرد على المعطيات الواردة في هذا التحقيق، غير أنه لم يتلقَّ أي رد حتى موعد النشر.
الخلاصة: تنمية لمن؟
السؤال الذي يطرحه هذا التحقيق ليس ضد الاستثمار الأجنبي في المغرب، بل هو سؤال عن جودة هذا الاستثمار وشروطه ومعاييره. فالطاقة المتجددة ليست خضراء حقاً إذا كانت تنتج بأيدي شباب مغربي يتنفسون يومياً أبخرة كيماوية خطرة دون حماية كافية، مقابل أجرة لا تكفي لتغطية تذكرة الحافلة.
منطقة الناظور، التي طالما شكا سكانها من التهميش والبُعد عن مراكز القرار، تستحق استثمارات تحترم فيها كرامة العامل قبل أرقام الإنتاج. والسلطات الإقليمية مدعوة اليوم قبل الغد إلى إخضاع هذا المصنع لتفتيش مهني جدي، والتحقق من ظروف عمل العمال، وضمان حقوقهم القانونية كاملة، لا سيما ما يخص السلامة الصحية في مواجهة المواد الكيماوية الخطرة.
فالتنمية الحقيقية لا تقاس بحجم الاستثمار وحده، بل بالقيمة التي تضيفها إلى حياة الأفراد.
- استندت هذه المادة إلى شهادات عمال سابقين وحاليين، ووثائق استثمارية رسمية، ودراسات علمية معتمدة حول المخاطر الصحية المهنية في مصانع تصنيع شفرات الرياح. الشركة لم تردّ على طلبات التعليق المرسلة إليها.



