محمد بوزكو: حين تروي جبال الريف حكايتها بالصورة والكلمة

وُلد الفنان والكاتب والسيناريست والمنتج السينمائي محمد بوزكو سنة 1966 بقبيلة آيث سعيد، دار الكبداني بإقليم الدريوش. حاصل على إجازة في القانون الخاص، غير أن شغفه العميق بالأدب والفن قاده بعيداً عن مسار القانون نحو عالم الإبداع والكتابة. منذ بداياته الأولى، أثبت أنه صوت أدبي وفني متميز، فراكم على مدار عقود مساراً غنياً ومتشعباً في الرواية والقصة والمسرح والسينما والتلفزيون، ليصبح اليوم من أبرز الأسماء التي ساهمت في بناء المشهد الثقافي الأمازيغي بالريف والمغرب عموماً.
المسيرة الأدبية
لم يكن أدب محمد بوزكو مجرد تجربة عابرة، بل كان انعكاسا حقيقيا لهموم المجتمع وذاكرة المكان. بدأ مسيرته بإصدار روايات ومجموعات قصصية باللغة الأمازيغية، وهو اختيار واعٍ يعكس التزامه بهويته الثقافية ورغبته في توثيق الموروث الشعبي والإنساني للريف. من أبرز أعماله الأدبية رواية «بين بين» التي استكشف فيها التناقضات الاجتماعية، ورواية «المشي على حافة المشنقة» التي تغوص في أعماق الوجع الإنساني، والمجموعة القصصية «مغارة عونا» التي تجمع بين الخيال والواقع. كما أصدر مسرحية «الفزاعة» ورواية «حياة في قبر»، وتوّج مسيرته الأدبية بروايته الأخيرة «لويزا، انصرفي من هنا!» التي لقيت اهتماماً واسعاً وعُرضت ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب.
الحضور السينمائي
انتقل بوزكو بسلاسة من الكتابة الأدبية إلى الكتابة السينمائية، فترك بصمته الواضحة في السينما الأمازيغية كاتبا للسيناريو ومنتجا مخضرما. يؤمن بأن السينما ليست مجرد ترفيه، بل أداة للتعبير عن الهوية والحفاظ على الذاكرة الجماعية، وهو ما يتجلى بوضوح في اختياراته الفنية ومواضيع أفلامه.
من أبرز أعماله السينمائية فيلم «سلام وديميتان» للمخرج محمد أمين بنعمراوي، الذي فاز بالجائزة الكبرى بمهرجان مارتيل للسينما الإسبانية المغربية وأمريكا اللاتينية، وجائزة أحسن سيناريو بالمهرجان الوطني للسينما بطنجة، والجائزة الكبرى لمهرجان السينما الأمازيغية بورزازات. كما أنتج أفلاماً بارزة مثل «زواج على شاطئ البحر»، و«كيف كيف»، و«العجوز»، و«بائعة الهوى»، و«ماسح الأحذية».
وتُعدّ تجربة فيلم «وداعا كارمين» من أبرز محطات مساره السينمائي، إذ حقق الفيلم حضوراً دولياً لافتا ونال تنويها خاصا من لجنة التحكيم بمهرجان دبي الدولي للسينما، وجائزة أحسن سيناريو بمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة، والجائزة الكبرى بمهرجان الشاشات السوداء بالكاميرون. ثم جاء فيلم «أبيريتا» ليتوّج بجائزة أحسن سيناريو بالمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، قبل أن يُكمل مسيرته بفيلم «خميس 1984» الذي يستحضر صفحات من ذاكرة المنطقة.
وفي آخر محطات مساره الإبداعي، يخطو محمد بوزكو نحو تحد فني من نوع آخر، إذ يتصدى للإخراج السينمائي في فيلم يجسد ملحمة “أنوال” التاريخية، تلك المعركة الكبرى التي رسمت ملامح الريف وخلّدت بطولات أبنائه. الفيلم الذي كتب سيناريوه الكاتب محمد النضراني، يُعد من أكثر المشاريع السينمائية الأمازيغية طموحا، ويحمل على عاتقه مهمة إعادة إحياء صفحة مضيئة من صفحات تاريخ الريف عبر الصورة والسينما.
الأعمال التلفزيونية
لم يقتصر عطاء بوزكو على السينما، بل امتد نشاطه الإبداعي ليشمل الشاشة الصغيرة. أسهم في إثراء برمجة قناة تمازيغت بعدد كبير من السيتكومات والمسلسلات التلفزيونية التي لقيت إقبالاً جماهيرياً واسعاً، إذ جمعت بين الترفيه والمضمون الثقافي والاجتماعي. من أبرز هذه الأعمال «ماني ذاش غا ثودار»، و«تار الصحة ذ لهنا»، و«2×2»، و«ميمونت»، و«مغريضو»، و«رسائل مرزوق»، إضافة إلى «النيكرو»، و«الأيتام»، و«من أنت»، و«سطوب»، و«بوليتيكا»، و«أوتار الحياة».
الأسلوب والرؤية الفنية
ما يميز محمد بوزكو عن غيره من المبدعين هو قدرته على الجمع بين الخصوصية المحلية والأفق الإنساني الرحب. يكتب عن الريف وناسه وجغرافيته وتاريخه، لكنه يفعل ذلك بلغة فنية تتجاوز الحدود الجغرافية وتصل إلى المتلقي في كل مكان. يختار مواضيعه بعناية فائقة، يستمدها من الواقع المعاش والذاكرة الجماعية، ويعالجها بأسلوب يجمع بين العمق الفكري والحس الجمالي.
يُعدّ بوزكو اليوم من أهم المؤلفين والسيناريستين الذين ساهموا في التعريف بالموروث الثقافي والاجتماعي والتاريخي للريف عبر الأدب والصورة والسينما، وتبقى أعماله شاهدا حيا على إبداع إنساني أصيل ينبع من عمق الهوية الأمازيغية.



