فن و ثقافة

13 عاما من الانتظار ومتحف الريف بالحسيمة لا يزال حبيس الوعود

مشروع أُعلن عنه عام 2011 بدعم أوروبي ووطني، وكان مفترضاً أن يصون ذاكرة الريف ويُعيد له اعتباره الرمزي. اليوم، يطغى عليه الصمت الرسمي والجدل حول هويته، فيما يتصاعد الاستياء في الحسيمة.

في عام 2011، حين كانت المغرب تعيش لحظة سياسية استثنائية، أُعلن عن مشروع “متحف الريف” بالحسيمة اللذي يفترض أن بينى في مقر الباشوية القديمة وذلك كخطوة نحو إنصاف المنطقة ثقافيا ورمزيا. المشروع جمع أطرافاً وطنية ودولية: المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ووزارة الثقافة، والاتحاد الأوروبي الذي أسهم بتمويل لافت. الهدف كان بناء فضاء يحفظ الذاكرة الجماعية لمنطقة عريقة بتاريخها ونضالاتها، ويُعيد لها مكانتها في الخريطة الثقافية الوطنية.

اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً، لا يزال المتحف مجرد وعد معلّق. لا جدران أُقيمت، ولا بوابة فُتحت، ولا معرض استقبل زائراً. ما تبقى هو ملف يتنقل بين المكاتب، وتصريحات متكررة لم تُفضِ إلى شيء، وصمت رسمي يزداد ثقلاً مع مرور السنوات.

محطات التعثر

تم إطلاق المشروع سنة 2011 بشراكة بين المجلس الوطني لحقوق الإنسان ووزارة الثقافة، وبدعم أوروبي، غير أنه عرف منذ البداية تعثرات متكررة وغياب أي انطلاقة ميدانية رغم الإعلانات المتوالية. وفي الفترة ما بين 2012 و2022، تم رصد غلاف مالي جديد يتجاوز 13 مليون درهم لإعادة إطلاق المشروع، إلا أن ذلك لم ينعكس على أرض الواقع ولم يُسجل أي تقدم ملموس. ومع حلول سنة 2023، تصاعدت المطالبات الحقوقية والمدنية بتقديم توضيحات رسمية حول مصير المشروع، كما أثار مقترح تغيير الاسم إلى “متحف الحسيمة” جدلاً واسعاً. وفي الفترة ما بين 2025 و2026، استمر الغموض حول مآل المشروع وسط استمرار النقاش العمومي بشأنه.

معركة الاسم… ومعركة الهوية

في خضم هذا التعثر الطويل، برز جدل جديد يتعلق بمقترح تغيير اسم المشروع من “متحف الريف” إلى “متحف الحسيمة”. وللوهلة الأولى، قد يبدو الأمر مجرد تفصيل إداري. غير أن الأصوات الحقوقية والمدنية رأت فيه شيئاً أعمق: محاولة لتجريد المشروع من رمزيته الجهوية، وإفراغه من دلالته الجوهرية التي تربطه بتاريخ وذاكرة منطقة بأكملها، لا بمدينة بعينها.

الريف ليس مجرد اسم جغرافي — إنه حمولة تاريخية وهوية جماعية. حذف هذا الاسم من المتحف يعني طمس الجوهر الذي قام من أجله المشروع أصلاً.

هذا الجدل الرمزي جاء ليُضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى مشروع كان يحتاج أصلاً إلى إرادة سياسية واضحة، لا إلى خلافات إضافية حول هويته.

غياب الإرادة أم خلل في التنسيق؟

يذهب المتابعون إلى أن استمرار التعثر ليس مجرد مشكلة تقنية أو لوجستية. فرصد ميزانية جديدة عام 2023 تجاوزت 13 مليون درهم يدل على وجود إمكانيات مالية، لكن المال وحده لا يُحرّك الورش إن غابت الإرادة السياسية الفعلية وتضبّبت المسؤوليات بين أطراف متعددة.

تعدد الجهات الوصية — مجلس وطني، وزارة، وشريك أجنبي — قد يكون في ذاته مصدراً للشلل، حين تتوزع المسؤولية دون أن يتحملها أحد فعلاً. والنتيجة: مشروع يُعاد إحياؤه دورياً في الخطابات الرسمية، لكنه لا يتحرك على أرض الواقع.

والغريب في الأمر أن هذا المشروع قُدِّم مؤخراً ضمن ما اعتُبر إنجازات مجلس الجالية، وأُدرج في قوائم رسمية على أنه من بين المشاريع التي تم تحقيقها، رغم أنه على أرض الواقع لا يزال غير موجود فعلياً، ولم يخرج بعد من دائرة التصور والدراسات إلى مرحلة الإنجاز أو الافتتاح. هذا التباين الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير تصنيف “الإنجاز” وحدود استخدامه في التقارير والمؤسسات.

كما أن استمرار تقديم مشروع غير مُنجز كأحد المكتسبات يفتح باباً واسعاً للنقاش حول شفافية تدبير المشاريع الثقافية، ومدى احترام مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في تتبع مراحل التنفيذ. وفي ظل هذا الوضع، تتعاظم التساؤلات حول أسباب التعثر المزمن، وحول ما إذا كان الأمر يتعلق بإشكال في الحكامة، أم بغياب الإرادة الفعلية لإخراج المشروع إلى حيز الوجود.

ما الذي تطالب به الأصوات الحقوقية؟

المطالب التي تتصاعد في الحسيمة والأوساط الحقوقية لا تتسم بالغموض: جداول زمنية واضحة وملزِمة، وخطة عمل دقيقة بمراحل قابلة للقياس، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن التأخير، ومنع أي تعديل يمسّ هوية المشروع ورمزيته الجهوية. الهدف هو تحويل “متحف الريف” من شعار يُستحضر في المناسبات إلى منارة ثقافية حقيقية تستقبل الزوار، وتروي التاريخ، وتخدم الأجيال المقبلة. هل يملك المغرب الإرادة السياسية الكافية لتحويل متحف الريف من ملف عالق إلى مشروع ثقافي حيّ — أم أن الانتظار سيمتد إلى عقد آخر، فيما تتواصل الذاكرة الجماعية للريف في البحث عن فضاء يحتضنها؟

هيئة التحرير

موقع إعلامي شامل يُعنى بمختلف المواضيع والأخبار المرتبطة بالريف، إلى جانب المستجدات الوطنية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى