فن و ثقافة

ثكنة أزغنغان: حين يتهدد الهدم ذاكرة الريف

معلمة تاريخية عمرها أكثر من قرن تواجه خطر الاندثار وسط صمت رسمي يثير الجدل، وأصوات مدنية تطالب بإنقاذ أحد أبرز شواهد الذاكرة الجماعية بالريف.

ماي 2026 — أزغنغان / الناظور

في قلب مدينة أزغنغان، تقف ثكنة عسكرية قديمة شامخة رغم تصدعات الزمن، حاملةً بين جدرانها أكثر من مئة عام من التحولات السياسية والعسكرية التي طبعت تاريخ الريف والمغرب. غير أن هذه المعلمة التاريخية باتت اليوم تواجه تهديداً جديداً لا يقل خطورة عن الحروب التي شهدتها: الهدم.

القضية انفجرت بعد تداول بلاغ مدني واسع الانتشار في الأوساط الرقمية والمحلية في ماي 2025، يحذر من وجود توجه نحو إزالة الثكنة التاريخية، الأمر الذي أثار موجة غضب واستياء بين فاعلين جمعويين ومهتمين بالتراث والتاريخ المحلي.

لكن ما زاد من حدة الجدل ليس فقط الحديث عن الهدم، بل الصمت الرسمي الذي يلف الملف. فإلى حدود الساعة، لم تصدر أي توضيحات أو مواقف رسمية من السلطات المحلية أو المنتخبين أو الأحزاب السياسية بشأن مصير هذه المعلمة التي يعتبرها كثيرون جزءاً من الذاكرة الجماعية للريف.

من معلمة استعمارية إلى شاهد على المقاومة

شُيّدت الثكنة سنة 1912 من طرف الاستعمار الإسباني مباشرة بعد القضاء على ثورة الشريف محمد أمزيان، أحد أبرز رموز المقاومة المبكرة ضد التوسع الاستعماري الإسباني في الريف. وحملت حينها اسم “ريكولاريس رقم 5”، لتصبح إحدى أهم القواعد العسكرية الإسبانية بالمنطقة.

غير أن المفارقة التاريخية تكمن في أن الثكنة نفسها تحولت لاحقاً إلى فضاء ارتبط بمحطات مقاومة وتحولات كبرى في تاريخ المنطقة.

ففي سنة 1912، شُيّدت الثكنة عقب قمع مقاومة الشريف محمد أمزيان. وبعد معركة أنوال سنة 1921، شهدت المنطقة عمليات مقاومة قادها المجاهد إدريس خوجة، الذي تمكن من تحرير أزغنغان مؤقتاً من السيطرة الاستعمارية. وخلال سنة 1936 لعبت الثكنة دوراً عسكرياً مهماً خلال بدايات الحرب الأهلية الإسبانية.

أما بعد استقلال المغرب سنة 1956، فقد استُعملت كمقر لعناصر من جيش التحرير الجزائري خلال عمليات مقاومة الاستعمار الفرنسي انطلاقاً من التراب المغربي. وفي سنة 1973، تخرجت منها تجريدة عسكرية مغربية شاركت في حرب أكتوبر إلى جانب القوات العربية، وساهمت في معارك تحرير القنيطرة السورية.

هذه المحطات، بحسب مهتمين بتاريخ الريف، تجعل من الثكنة أكثر من مجرد بناية عسكرية قديمة؛ بل أرشيفاً مادياً لذاكرة جماعية تختزل حقباً من الاستعمار والمقاومة والتحرر.

صمت رسمي يثير التساؤلات

ويرى متابعون للشأن المحلي أن الجدل الدائر حول ثكنة أزغنغان لا يرتبط فقط بإمكانية هدم المعلمة التاريخية، بل أيضاً بغياب أي توضيحات رسمية بشأن مستقبل الموقع.

ويأتي ذلك في وقت تتواصل فيه المطالب المدنية بفتح نقاش عمومي حول مصير الثكنة، التي تعتبر من أبرز الشواهد التاريخية المرتبطة بتاريخ المنطقة خلال القرن العشرين.

ويستحضر مدافعون عن التراث تجارب دولية عديدة اختارت الحفاظ على المعالم الكولونيالية وإعادة توظيفها كمراكز ثقافية ومتاحف، باعتبارها جزءاً من الذاكرة الإنسانية والتاريخية، لا مجرد بقايا معمارية.

“الصمت جريمة موازية للهدم، وسيحفظ التاريخ بأسمائهم هذا التواطؤ، ولن يرحمهم الضمير الجمعي للأجيال القادمة.” يقول بعض الغيورين

ورغم اتساع النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يصدر حتى الآن أي رد رسمي يؤكد أو ينفي وجود مشروع هدم فعلي.

هل يتعلق الأمر بمحو الذاكرة؟

فاعلون جمعويون يعتبرون أن القضية تتجاوز مجرد بناية قديمة، لتطرح سؤالا أعمق يتعلق بكيفية تعامل الدولة والمؤسسات المحلية مع الذاكرة التاريخية للريف.

كما أعاد تداول الملف إلى الواجهة النقاش المرتبط بثكنة أزغنغان لا يُعد حالة معزولة، بل يندرج ضمن سياق أوسع شهدته منطقة الريف خلال السنوات الماضية، حيث طالت عمليات الهدم أو الإهمال عدداً من المعالم والمآثر التاريخية في مدن مثل الناظور والحسيمة والدريوش، وسط انتقادات تتحدث عن غياب آليات فعالة لحماية التراث المحلي، في وقت اختفت فيه معالم تاريخية عديدة أمام أنظار الجميع دون تدخل واضح لوقف اندثارها أو إعادة تأهيلها.

ويؤكد مهتمون بالتراث أن الخيار الطبيعي كان يجب أن يكون الترميم وإعادة التأهيل بدل الإزالة، خاصة وأن الثكنة يمكن أن تتحول إلى فضاء ثقافي أو متحف للذاكرة والمقاومة، بما يساهم في التنمية الثقافية والسياحية للمنطقة.

أحد الفاعلين الجمعويين بإقليم الناظور صرح قائلا:

“هذه المعالم حين تُهدم لا يمكن تعويضها. الأجدر ترميمها وإدماجها في مشاريع ثقافية تحفظ الذاكرة الجماعية للمنطقة.”

ويتساءل عدد من المهتمين بالشأن التراثي والفاعلين المحليين عن أسباب تكرار الجدل المرتبط بهدم أو تهميش بعض المعالم التاريخية في منطقة الريف، في وقت تحظى فيه مواقع تاريخية أخرى بمدن كبرى مثل الرباط وفاس ومراكش بعمليات ترميم وحماية وإعادة تأهيل مستمرة، رغم أن بعض هذه المواقع — بحسب متابعين — لا تحمل نفس الحمولة التاريخية المرتبطة ببعض معالم الريف.

ويعتبر هؤلاء أن النقاش الدائر حول ثكنة أزغنغان يعكس مطالب أوسع تتعلق بضرورة اعتماد مقاربة متوازنة في حماية التراث الوطني، تشمل مختلف مناطق المغرب دون استثناء، مع مراعاة القيمة التاريخية والرمزية لكل معلمة ضمن الذاكرة الجماعية المحلية والوطنية.

مطالب المجتمع المدني

تطالب الأصوات المدافعة عن الثكنة بالوقف الفوري وغير المشروط لأي مشروع هدم أو تغيير قد يطال الموقع، مع فتح نقاش عمومي شفاف يضم مؤرخين وخبراء وفعاليات مدنية وسكان المنطقة. كما تدعو إلى إطلاق مسطرة قانونية لتصنيف الثكنة ضمن المآثر التاريخية المحمية وطنيا، والعمل على إعداد مشروع لإعادة تأهيل الموقع وتحويله إلى مركز للذاكرة ومتحف للمقاومة والتحرر.

ويستحضر مدافعون عن التراث تجارب دولية عديدة اختارت الحفاظ على المعالم الكولونيالية وإعادة توظيفها كمراكز ثقافية ومتاحف، باعتبارها جزءاً من الذاكرة الإنسانية والتاريخية، لا مجرد بقايا معمارية.

اختبار حقيقي لحماية التراث

تكشف قضية ثكنة أزغنغان عن هشاشة آليات حماية التراث التاريخي بالمغرب، خصوصاً في المناطق البعيدة عن المراكز الكبرى. كما تعيد إلى الواجهة سؤالاً طالما أثاره المهتمون بالشأن الثقافي: من يقرر أي ذاكرة تستحق الحفظ وأيها تُترك للنسيان؟

بالنسبة لكثيرين في الريف، لا يتعلق الأمر فقط ببناية عسكرية قديمة، بل بمسألة اعتراف بالتاريخ المحلي وحماية للذاكرة الجماعية من الاندثار. وفي انتظار أي توضيح رسمي، يبقى مصير الثكنة معلقا بين مطالب الحفظ ومنطق الهدم، فيما يواصل الزمن التهام واحد من آخر الشهود المادية على قرن كامل من تاريخ الريف.

هيئة التحرير

موقع إعلامي شامل يُعنى بمختلف المواضيع والأخبار المرتبطة بالريف، إلى جانب المستجدات الوطنية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى