Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
كُتّاب وآراء

في معنى الفكرة الزفزافية

ناصا…بوناصا…ناصر الزفزافي، هو تعبير عن التمثل المعاصر للفعل الإحتجاجي، بعيدا عن التقعيد الكلاسيكي لمعنى الاحتجاج، أو التعريف القديم للمناضل، الذي كان يعتمد على تكوين المناضل وفق أبجديات الانتماء الايديولوجي، أو الإشباع بالمعنى الجاهز للمناضل، الذي كان يستلزم المرور من حلقة أوطم كضرورة للتكوين، أو التأثر بأنماط جاهزة لمعنى الممانع وفق تعريفات يسارية أو إسلامية، أو المرور من تجربة التكوين داخل تفرعاتها كجمعية او نقابة او اطار عرفي، والتي تضع مداخل و مخارج وقواعد محددة لمعنى الاحتجاج/النضال وأفقه وغاياته وحتى قاموسه التداولي،و التي ينجم عنها كون المناضل ملزم بجعل النضال وسيلة لإحقاق تفرد وتفوق الولاء الايديولوجي للجماعة التي ينتمي إليها كغاية، بما يستلزم ذلك من احترام هرمية التنظيم، وتغليب رؤى الجماعة المكونة له، التي ترتكز على تحقيق أعلى نسبة من الممكن من المصلحة السياسية والمكاسب التنظيمية، واعتبار القواعد والجماهير غطاءا للتدافع السياسي او الايديولوجي.

بينما ناصر الزفزافي يعتبر متخرجا من مدرسة واقعية المجال وظروفه، ويمثل التعبير عن الجماعة والناطق بإسمها وممثل المشترك بينها من هموم وتطلعات و تعبيرات الغضب، وهو تعبير وتمثل الجماعة كلها في مفرد واحد هو ناصر الزفزافي/بوناصا،أي أن الزفزافي هو تصريف للمقموع والمسكوت عنه داخل منظومة الجماعة، والمعبر عما يخالجها وما تقمعه جراء تخوفاتها من قوة ردع السلطة ومظاهرها القامعة،لذلك فانبهار الجماعة بالزفزافي وسرعة التفافها حوله ناجم بالأساس بكونه يمتلك القوة الانفعالية والتعبيرية والشجاعة التي تفتقدها الجماعة الحراكية التي مثلها وتحدث باسمها وعبّر عن همومها.

الزفزافي إذن؛ هو طاقة نفسية استطاعت تحطيم القيود والتسييجات التي رسختها السلطة في العقل الباطن للجماعة، لتظل انفعالاتها دوما متحكم فيها ومقموعة ومسيجة بالإظمار، وغير قابلة للتعبير عنها بسلوك او تعبير جهري يتخطى دائرة المقموع السري الى دائرة المعبر عنه جهرا.

من هذا المنطلق فناصر الزفزافي، هو التعبير عن إمكانية الحشد والتجميع خارج قواعد السلطة، وخارج الحدود التي ترسمها للخطاب الذي يجب ان يشاع ميدانيا و جهرا،و الذي سعت دوما الى إبقاءه مضببا باقتصاره على لغة التعميم الفضفاض وتشفير الرسالة وإبقاء المرسل إليه لا يتجاوز الخطوط الخضراء وهي المؤسسة التنفيذية والتشريعية، وتحريم وتسييج توجيه أي رسالة الى ما فوق هذه المؤسسات.

ثم إن ما يؤرق السلطة من الفكرة الزفزافية منذ ظهور ناصر الزفزافي، أنها تتوجه بالنقد الى بنية الحكم و الدولة بشكل عام بدل الاقتصار على نقد تفرعات الدولة،أي ان ناصر الزفزافي هو ترجمة واستدلال على وجود شريحة مجتمعية غير مهيكلة تنظيميا، ومجتمعة على أن علة الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي علة مركبة وبنيوية، في بنية الدولة بشمولية تركيبتها، وليس في جهاز أو مؤسسة من منطلق التجزيء.

أي أن الفكرة الزفزافية تعني بوجود فرد/ناصر الزفزافي قابل على إحقاق الحشد واكتساب الاجماع لدى شريحة مجتمعية كانت السلطة تراهن انها غير قابلة للتجميع الا بواسطة أدواتها، كمهيج العدو والخطر الخارجي كأداة من ادوات توحيد الجبهة الداخلية، أو استشعارها بخطر الأمن المهدد بتوظيف ورقة الارهاب وتمدد الحرابة مجتمعيا وغيرها.

بينما الزفزافي استطاع تحقيق غاية توحيد جبهة شعبية عبر جرد انتقاصاتها وتطلعاتها المجْهز عليها، وإرادتها لعدالة اجتماعية، وهذه الفكرة تعتبر تهديدا صريحا لديمومة شكل السلطة التقليدي زمنيا.

كما أن الفكرة الزفزافية تهدد فلسفة السلطة و تصورها للخريطة الانتخابية التي تضبط مداخلها ومخارجها و سيرها وأدواتها و الفاعلين فيها، التي ترتكز على صناعة تمثيليات انتخابية تتولد من مهندسي السلطة الانتخابيين، بتوظيف برامج انتخابية يتم مسبقا انتزاع اية امكانية لصنع القرار السياسي منها، ووجود الزفزافي في هذه الحالة يعني احتراق النخب المخزنية و المرتبطين بالريع الانتخابي والسياسي و يعني أن الأحزاب كأدوات السلطة المتحكم فيها تفقد وظيفة الكومبارس وحيطان الصد وإسفنجة امتصاص تصريف الغضب، فالفكرة الزفزافية استطاعت توجيه خطابها دون الانقياد بشحنات الاستعطاف، و توجهت لدائرة الحكم بكونها علة مسؤولة عن اعتلالات الواقع وليس باعتبارها ممتلكا للحل كعادة السلوك الاحتجاجي قبل ظهور الزفزافي.

لذلك، فعمق الفكرة الزفزافية هو قدرتها على صنع ناصر الزفزافي كرمز وممثل ومعبر عن افكار الجماعة خارج نسق السلطة وغير مرتبط بأيٍ من الادوات/الفخاخ التي تضبط عبرها السلطة اي تعبير جماعي غير منظم، و إن أهم انشغالات السلطة في اعتقادي هو عملها المتواصل لتفكيك الحمولة الرمزية لناصر الزفزافي لتبيان أن اي بديل ليس من صنعها غير عملي بل عائق، و ذلك لاحتكار الحقل الرمزي للنظام السياسي وحده و عدم السماح لجعله قابلا للمشاطرة و الاقتسام، و لإظهار ان النظام السياسي وحده ممتلك قوة التجميع وفق قواعده و قوانينه وتسييجاته.

إن وجود ناصر الزفزافي كقوة تأطيرية تمتلك قوة التأثير والحشد ومخاطبة الدولة بلغة المسؤولية بدل المن والعطف، وجعل التداول في الاحتجاج ومستجداته ونواتجه شأنا و انشغالا للتداول اليومي، عكس الاحتجاج الموسمي المعتمد على الموسمية والظرفية الزائلة، تراه ااسلطة تهديدا لمستقبل السلطوية، لذلك تم تسخير كل الإمكانيات الممكنة التي من شأنها تفريغ حمولة الفكرة الزفزافية عبر التسفيه بواسطة أجهزة السلطة الايديولوجية كالاعلام، او حتى عبر التأسيس لطرح منافي ومضاد لما انبنى عليه الحراك كالترويج لتميز الافراد أفقيا لتذويب الزفزافي وسطها لجعله جزءا لا المحور المعبر عن الكل، أو عبر التأسيس لخطاب قيمي مضاد لقيم الفكرة الزفزافي القائمة على قيم نبيلة تمجد الكرامة والشرف و الاخلاق وهدف ذلك تصوير ان الجماعة التي يمثلها الزفزافي الرمز منحطة قيميا و اخلاقيا، او غارقة في الطوباوية بمحاولة بناء مقارنات خادعة أن التعبير عن الرضى والصمت هو الوسيلة الأنجع للظفر بمكتسبات، أو الترويج أن التضاد والنقد الصريح هو عائق للتنمية وهو المتسبب في بقاء الأزمة الاجتماعية وديمومتها.

هذا هو عمق ناصر الزفزافي، الذي تسعى السلطة بكل الوسائل اجتثاثه من التداول، فهو فكرة مضادة للسردية الرسمية القائمة على ديمومة الخوف، وإلزام الطبقة والفئة السفلى في دائرة الصمت والمستجيب للفئة الأعلى، وأن لا تتجاوز تعبيراتها نقد عطب ظرفي إلى نقد البنية التي تصنع السياسات والواقع بشكل عام.

Khamis Boutakamante

خميس بوتكمانت هو كاتب رأي وفاعل جمعوي ينشط في منطقة الريف، ويرتبط اسمه بالنقاشات المتعلقة بالشأن المحلي والقضايا التنموية والاجتماعية والسياسية التي تهم المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى