حين يصبح الإقصاء قاعدة: التلفزة المغربية ترفض الفيلم الأمازيغي مرة أخرى
الرباط ـ قبل أسابيع، أعلنت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة (SNRT) طلب عروض لاقتناء اثني عشر فيلماً روائياً طويلاً. وحين خرجت النتائج، لم يجد أي عمل أمازيغي ريفي مكاناً بين الأفلام المقبولة، ولا حتى فيلم واحد.
والمفارقة أن ثلاثة مشاريع ريفية كانت قد تقدمت إلى المنافسة. الأول «جثث على الشاطئ» للمخرج أكسل، وهو عمل مكتمل شارك في مهرجانات دولية ونال عدة جوائز. والثاني «أنوال» للمخرج محمد بوزكو، وهو فيلم تاريخي يستعيد سيرة محمد بن عبد الكريم الخطابي، ويعتمد على طاقم تمثيلي كبير وإنتاج احترافي. أما الثالث فكان سيناريو جاهزاً للإنتاج، لم يتحول بعد إلى فيلم.
وحسب ما ورد من معطيات، ذهبت المقاعد الاثنا عشر كلها إلى أعمال غير أمازيغية. النتيجة إذن اثنا عشر مقابل صفر.
ليست الأولى
ما يزيد الأمر حدة أن هذه ليست المرة الأولى. فالمخرج أكسل واجه الرفض نفسه مع فيلمه الطويل الأول «Monsters»، ثم يتكرر السيناريو مع فيلمه الثاني. وحين يتكرر الرفض مع المخرج ذاته ومع اللغة ذاتها، يصبح من المشروع طرح السؤال: هل نحن أمام معايير فنية فعلاً، أم أمام نمط من التهميش؟
يرى المتضررون أن المعادلة مختلة: لا دعم في مرحلة الإنتاج، ثم لا شراء في مرحلة العرض. فالمنتج الذي يغامر بتمويل فيلمه من ماله الخاص، ويراهن على أن القناة العمومية ستكون نافذته الطبيعية نحو الجمهور، يجد نفسه أمام باب مغلق. وهكذا يصبح التمويل الذاتي، الذي يُفترض أن يكون دليل مبادرة وجدية، عبئاً قد يؤدي إلى الإفلاس.
كلفة تتجاوز الأرقام
لا يقتصر الضرر على المخرجين والمنتجين. فحسب شهادات من داخل القطاع، اضطر ممثلون وتقنيون وأطقم تصوير إلى مغادرة الميدان، وبعضهم اختار الهجرة بحثاً عن عمل مستقر. فحين لا يجد الفيلم من يشتريه، لا تُنتج أفلام جديدة، وحين لا تُنتج أفلام، تتوقف دورة العمل كلها.
ويتساءل الفاعلون: كيف يمكن بناء صناعة سينمائية محلية إذا كانت المؤسسة العمومية، وهي أكبر مشترٍ محتمل، لا تفتح لها باباً؟
ما وراء الجودة الفنية
قد تقول إدارة القناة إن الاختيار تم وفق معايير فنية ومالية دقيقة، وهذا حق مشروع في أي لجنة انتقاء. غير أن هذا الدفاع يحتاج إلى سند: ما هي المعايير المعتمدة؟ وكيف جرى تقييم الأعمال؟ وهل نُشرت نتائج التنقيط أو محاضر اللجنة؟ فبدون شفافية، يبقى الشك قائماً، خصوصاً حين تكون النتيجة صفراً كاملاً لإنتاج ثقافي بعينه.
والأهم أن للقناة العمومية التزامات تتجاوز منطق السوق. فهي ممولة من أموال دافعي الضرائب، وأمازيغية الريف جزء من هذا الجمهور، واللغة الأمازيغية لغة رسمية في الدستور المغربي منذ 2011. وإذا كان للنص الدستوري معنى، فمن المفترض أن ينعكس في ما يُعرض على الشاشة ويُموَّل من المال العام.
أسئلة بلا جواب
تبقى أسئلة ينتظر الرأي العام إجابات عنها:
- ما هي معايير الانتقاء المعتمدة في طلب العروض هذا؟
- هل كانت هناك حصة، ولو رمزية، مخصصة للإنتاج الأمازيغي؟
- لماذا لم يُقبل عمل مكتمل ومتوّج دولياً؟
- هل ستنشر الشركة تفاصيل التقييم لتبديد الشبهات؟
إلى أن تأتي هذه الإجابات، سيظل الانطباع الذي خلّفه القرار قائماً: أن السينما الأمازيغية ما تزال تُعامل كضيف ثقيل في بيتها، وأن الفيلم الذي يحكي سيرة أحد رموز المقاومة في تاريخ المغرب لم يجد مكاناً على شاشة بلده.



