تمازيغت

الدولة الأمازيغية الفدرالية: الحل الواقعي لحسم تفعيل الأمازيغية في المغرب

لا يزال النقاش حول الأمازيغية في المغرب يتحرك في مساحة غير واضحة، تجمع بين الإشادة بالاعتراف الدستوري وبين الدعوات إلى حسم فعلي في تنزيل هذا الاعتراف على أرض الواقع. هذا التردد في الخطاب يعكس غياب وضوح الموقف أكثر من كونه قراءة دقيقة للوضع. فإما أن نعتبر ما تحقق كافياً، أو نقر بأن تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لا يزال متعثراً ويحتاج إلى قرار سياسي واضح. أما الجمع بين التثمين والانتظار، فلا يؤدي إلا إلى استمرار الضبابية.

اليوم، لم تعد قضية الأمازيغية مجرد ملف اعتراف، بل قضية إرادة سياسية واضحة. فالدول حين تجعل قضية ما أولوية استراتيجية، تعبئ لها الموارد وتسرّع عملية تنفيذها. لذلك، فإن بطء تنزيل الأمازيغية لا يمكن اختزاله في عراقيل تقنية أو حسابات حزبية، بل يرتبط بطبيعة الاختيار السياسي ذاته. في السياسة، التدرج غير المحدد زمنياً ليس حيادياً، بل موقفاً غير معلن.

البعد المؤسسي: نحو نموذج أكثر عدالة

يتجاوز الإشكال القرار السياسي ليصل إلى طبيعة النموذج المؤسسي في المغرب. فالنظام المركزي، حتى وإن اعترف بالتعدد، يبقي القرار النهائي بيد سلطة واحدة، مما يجعل العدالة اللغوية رهينة بتقلب الأولويات. ومن هنا، يصبح الحديث عن الدولة الأمازيغية حديثاً عن نموذج مؤسساتي وليس مشروعاً إثنياً. المطلوب هو دولة تعترف بتعدد مكوناتها وتؤطره دستورياً عبر نظام يسمح بتوزيع فعلي للسلطة بين المركز والجهات.

الفدرالية تمنح الجهات صلاحيات حقيقية في إدارة التعليم والثقافة والإدارة المحلية وفق خصوصياتها. بهذا تتحول الأمازيغية من ملف مركزي يدار من فوق إلى ممارسة يومية داخل المؤسسات الترابية، مرتبطة بالمساءلة والمحاسبة.

خصوصية الريف وأهمية المعايير الجهوية

تبرز خصوصية منطقة الريف كحقل لغوي له سمات صوتية ومعجمية وتاريخية مميزة داخل التنوع الأمازيغي. ضمان عدالة لغوية حقيقية يستدعي التفكير في إنشاء معهد جهوي للغة الأمازيغية بالريف، يتولى البحث والتأطير البيداغوجي وتطوير الأدوات التعليمية، بما يسهم في بناء معيارية موحدة تحترم التنوع الأمازيغي دون إقصاء. فالمعيارية لا تُبنى بطمس الخصوصيات، بل بتثمينها علمياً وإدماجها ضمن تصور تكاملي.

توحيد المعيارية الأمازيغية لا يعني صهر الاختلافات، بل تنظيمها ضمن إطار علمي يضمن الانسجام الوطني ويحافظ على الخصوصيات الجهوية. وبدون آليات مؤسساتية جهوية قوية، سيظل هناك فرق كبير بين النصوص الدستورية والممارسة الواقعية.

الاعتراف الشكلي أم التمكين الفعلي

السؤال اليوم لم يعد هل الأمازيغية لغة رسمية؟ بل أصبح: هل الأمازيغية مؤمنة داخل بنية الدولة؟ بين الاعتراف الشكلي والحسم التاريخي مسافة لا تُختصر بالشعارات، بل بإصلاح دستوري يعيد توزيع السلطة ويجعل من التعدد قاعدة مؤطرة، لا ملفاً مؤجلاً. الخيار واضح: أمازيغية في النصوص، أم أمازيغية متجذرة في مؤسسات الدولة والجهات؟

سعيد ختور

سعيد ختور مزداد بايث سعيذ، فاعل جمعوي وحقوقي، وباحث في الثقافة الأمازيغية. يهتم بقضايا التراث الثقافي والهوية، ويعمل على جمع وتوثيق التراث اللامادي. يكتب الشعر والقصص، وله إسهامات فكرية وإعلامية تُعنى بالتعريف بالثقافة الأمازيغية والدفاع عن الحقوق الثقافية والإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى