نزهة بودهو: عالمة آثار تنبش في ذاكرة الريف المنسية

نزهة بودهو ليست مجرد عالمة آثار تبحث في بقايا الماضي، بل هي ابنة الريف، من قبيلة اكزناية بالتحديد ، تحمل في وجدانها حكايات الأرض وتعيد سردها بلغة العلم. اختارت أن تجعل من التاريخ شغفا ومن الذاكرة مسؤولية، فكرّست حياتها للكشف عن أسرار المغرب الشرقي، حيث تختبئ قصص الإنسان الأولى بين الصخور والتلال.
نزهة، التي عاشت تجربة الهجرة، لم تنقطع يوما عن جذورها. عادت إلى أرضها لا كزائرة، بل كباحثة تسعى لفهمها من الداخل. في عملها، لا تكتفي باستخراج اللقى الأثرية، بل تحاول أن تعيد إليها صوتها، أن تجعلها تحكي من جديد. تقود طلبتها إلى المواقع الأثرية لا ليشاهدوا الماضي فقط، بل ليتعلموا كيف ينصتون إليه، وكيف يتحول البحث العلمي إلى فعل وفاء للذاكرة الجماعية.
ينصب اهتمامها على تتبع آثار الإنسان في المغرب الشرقي عبر العصور القديمة، من خلال تنقيبات ميدانية ودراسات دقيقة للمعالم الأثرية، خاصة تلك المرتبطة بالطقوس الجنائزية كالدولمنات والتلال الحجرية. كما أولت عناية خاصة بإعداد الخرائط الأثرية للمنطقة، في خطوة تهدف إلى توثيق التراث المادي وحمايته من الاندثار.
ورغم مسارها الأكاديمي المرموق، الذي قادها إلى جامعة باريس 1 – السوربون، ثم إلى التدريس بجامعة محمد الأول بوجدة، ظل ارتباطها بالأرض هو البوصلة التي توجه أبحاثها. فقد اشتغلت منذ بداياتها على العلاقة بين المجال الريفي والمغرب الشرقي، لتصبح اليوم مرجعًا في هذا المجال.
وتشتغل نزهة بودهو حاليا على مشاريع علمية متعددة، من أبرزها نشر نتائج الأبحاث الميدانية المرتبطة بالخريطة الأثرية لوجدة، ودراسة المواد المكتشفة خلال عمليات التنقيب لتحديد تسلسلها الزمني، إلى جانب أبحاث متقدمة في التأريخ الجيولوجي للمواقع الميغاليثية.
أما على مستوى الإنتاج العلمي، فقد أغنت المكتبة الأكاديمية بعدد مهم من المؤلفات والدراسات، من بينها أعمال حول التاريخ والآثار بالمغرب الشرقي، والتراث المعدني لجرادة، والمعالم الجنائزية ما قبل التاريخ. كما نشرت عشرات المقالات العلمية في مجلات وطنية ودولية، تناولت مواضيع متنوعة مثل النقوش الصخرية، والطرق القديمة، والعلاقات بين الموريتانيتين الطنجية والقيصرية.
انخرطت نزهة بودوهو منذ عام 1992 في وحدة البحث UMR 8546 Archéologies d’Orient et d’Occident (AOROC) بمختبر الآثار بباريس، وأصبحت باحثة مشاركة فيها منذ 1999. كما تعد عضوًا مؤسسًا لمركز الأبحاث الجامعية في الآثار بوجدة (CURA) منذ 2004، وعضوًا في الجمعية الفرنسية لدراسات المغرب القديم والوسيط (SEMPAM) منذ 2009. منذ 2018، انضمت إلى مختبر التاريخ واللغات والتراث والهندسة المعمارية بوجدة، وفي 2020 أصبحت عضوًا في المعهد الفرنسي للبحث من أجل التنمية (IRD).
لكن ما يميزها أكثر، هو ذلك التوازن بين الباحثة والإنسانة: أستاذة تُدرّس مواد متعددة من بينها الحضارة اليونانية الرومانية، والتاريخ الروماني، ومدخل إلى علم الآثار، إضافة إلى تاريخ شمال إفريقيا في عصور ما قبل التاريخ.، ومؤطرة تُلهم، وامرأة ترى في التاريخ أكثر من مجرد ماضٍ… تراه امتدادا للهوية، وجسرا نحو المستقبل.
نزهة بودوهو ليست فقط عالمة آثار، بل حارسة لذاكرة الريف، تكتبها بصمت، وتعيدها للحياة قطعة قطعة.
أسهمت نزهة بودوهو في إثراء المكتبة العلمية بمجموعة من المؤلفات والمراجع الأساسية، منها:
- المغرب الشرقي: دراسة أثرية وتاريخية (ثلاثة أجزاء، 2019 – أعيد طبعها 2024)
- Monuments funéraires protohistoriques (2022)
- وجدة: من قرية ذات مظهر حضري إلى مدينة في تطور دائم (2022)
- العلاقات البرية بين موريطانيا الطنجية وموريطانيا القيصرية عبر المغرب الشرقي (2021)
- جرادة وتراثها الصناعي المنجمي (طبعات متعددة 2018–2023)
- المعجم الأثري (2023)



