مليلية تنزف اقتصادياً… و”نويفا مليلية” تُطلق نداء الاستغاثة

منذ تعليق نظام الإعفاء من التأشيرة، أُغلقت مئات الشركات وبدأ السكان في الرحيل نحو شبه الجزيرة الإيبيرية. المجموعة السياسية تقول إن المدينة تسير نحو حافة الانهيار.
الأزمة في أرقام
تواجه مليلية ما تصفه مجموعة “نويفا مليلية” السياسية بالانهيار الاقتصادي البطيء. في بيان رسمي صادر بتاريخ 3 ماي 2026، رسمت المجموعة صورة قاتمة: مئات الشركات المُغلقة، وقوى عاملة تتسرب نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، ومدينة باتت تعتمد بشكل متزايد على القطاع العام لإبقاء عجلتها الاقتصادية دائرة. المحرّك الأساسي لهذا الواقع، حسب المجموعة، هو تعليق نظام الإعفاء من التأشيرة الذي كان يُتيح لسكان إقليم الناظور والمناطق الحدودية المجاورة دخول مليلية بحرية.
“اقتصاد المدينة مرتبط هيكلياً بحركة الحدود. ما نعيشه اليوم — من اعتماد شبه كلي على القطاع العام — وضع غير متوازن ولا يمكن الاستمرار فيه.”
مدينة قامت على الحدود
الجغرافيا هي التي صاغت هوية مليلية الاقتصادية. هذا الثغر الإسباني على الساحل الشمالي للمغرب يحتل موقعاً فريداً: جزء من الاتحاد الأوروبي يتشارك حدوداً برية مع دولة خارجه. ولعقود طويلة، كانت الحركة اليومية للعمال والمتسوقين والتجار المغاربة — المستفيدين من إجراءات دخول مُيسَّرة — تُشكّل شرياناً حيوياً للنشاط التجاري في المدينة.
حين جُمِّد هذا النظام، كانت التداعيات فورية. المحلات الصغيرة التي كانت تعيش على حركة العبور اليومية فقدت قاعدة زبنائها شبه كلياً. أصحاب المشاريع الذين بنوا أعمالهم على افتراض استمرار انسيابية الحدود وجدوا أنفسهم في بيئة اقتصادية معادية. كثيرون أغلقوا أبوابهم. وآخرون ساروا في الاتجاه المعاكس — نحو الشمال الغربي، نحو البر الرئيسي.
الهجرة العكسية وتداعياتها
لعل أكثر ما يُقلق في بيان “نويفا مليلية” هو ظاهرة الهجرة العكسية. فبدلاً من أن تكون مليلية وجهةً أو بوابةً، باتت تُصدِّر سكانها أنفسهم. هذه ليست مجرد ظاهرة ديموغرافية عابرة، بل تمثّل نزيفاً حقيقياً في الطاقة الإنتاجية لمدينة لا تتحمل مثل هذا الاستنزاف. حين يغادر أصحاب الكفاءات والمقاولون والعائلات الشابة نحو إشبيلية أو مالقة أو مدريد، يتبقى وراءهم نسيج اجتماعي يتآكل ومدينة ترزح تحت عبء التبعية للدولة.
الانعكاسات على المدى البعيد بالغة الخطورة: تراجع العائدات الضريبية، وانكماش الطلب المحلي، وصمت تلك الحيوية غير الرسمية التي كانت تُميّز المنطقة الحدودية — من تجار صغار وورش حرفية وقطاع خدمات يستقبل الزوار القادمين من الضفة الأخرى.
الحجة السياسية: الميثاق الأوروبي ورقةُ ضغط
مطلب “نويفا مليلية” واضح وصريح: استئناف العمل فوراً بنظام الإعفاء من التأشيرة لصالح سكان إقليم الناظور والمناطق الحدودية المجاورة. غير أن المجموعة لا تكتفي بالمطالبة، بل تُقدّم حججاً سياسية مدروسة لدحض أبرز الاعتراضات.
لطالما استُشهد بخطر تصاعد طلبات اللجوء ذريعةً لرفض تخفيف قواعد الدخول — وهو هاجس ظلّ يُشكّل السياسة الحدودية الأوروبية لسنوات. تُجيب “نويفا مليلية” على هذا الاعتراض بالإشارة إلى الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء، المزمع دخوله حيز التنفيذ قريباً، والذي يُوفر — حسب المجموعة — إطاراً قانونياً كافياً للتعامل مع هذه المخاوف. ومع وجود هذا الميثاق، يفقد مبرر التخوف من طلبات اللجوء سنده القانوني والسياسي.
ما تطالب به المجموعة ليس حدوداً مفتوحة على مصراعيها، بل ما تُسمّيه “حدوداً وظيفية”: نظام مُعايَر يُتيح استئناف الترابط الاقتصادي بين الناظور ومليلية، مع الحفاظ على النظام القانوني.
سؤال مفتوح
إلى أي حد يمكن لإعادة فتح الحدود أن تُعيد الدينامية الاقتصادية لمنطقة الناظور–مليلية — وهل يمكن أن يحدث ذلك في وقت يكفي لوقف الضرر الهيكلي المتراكم، في ظل التحولات الإقليمية الكبرى التي تُعيد رسم ملامح البحر الأبيض المتوسط الغربي؟



