الريف

الغاز الخانق فوق الريف: حين أحرقت إسبانيا المدنيين بالأسلحة الكيميائية ولا تزال ترفض الاعتراف

بين عامَي 1921 و1927، حوّلت القوات الإسبانية سماء الريف المغربي إلى جحيم كيميائي، وأمطرت قرى وأسواق وأنهارا بغازات سامة قاتلة — وهو ما أثبته الباحثون وأكده المؤرخون، لكن مدريد لا تزال ترفض الاعتراف به رسمياً حتى اليوم.

تحقيق تاريخي الريف، المغرب  ·  1921 — 1927  ·  ماي 2026

في عام 1924، وفوق جبال الريف المغربي، أسقط الطيار الإسباني إيدالغو دي سيسنيروس أول قنبلة خردل بوزن مئة كيلوغرام من طائرته الحربية، لتنفجر فوق أرض كان يسكنها مدنيون لا مقاتلون. لم تكن تلك حادثة منفردة، بل كانت حلقة في سلسلة من الجرائم الكيميائية الممنهجة التي خاضتها إسبانيا بحق سكان منطقة الريف، ولا تزال تتملص من المساءلة عنها بعد مرور قرن كامل.

1921 بداية استخدام
الأسلحة الكيميائية
1,680 قنبلة تُلقى
يومياً
127 طائرة مقاتلة
وقاذفة
13,000 جندي إسباني
قتلى في أنوال

من كارثة أنوال إلى الانتقام بالغاز

لفهم ما جرى فوق الريف، لا بد من العودة إلى يوليو 1921، حين انهار الجيش الإسباني في معركة أنوال أمام مقاتلي عبد الكريم الخطابي، وخلّف ما لا يقل عن 13,000 قتيل وفق الأرقام الرسمية الإسبانية — وهو ما وصفه السياسي الإسباني إنداليسيو برييتو في البرلمان بقوله: “نحن في أشد فترات الانحطاط الإسباني حدةً، وحملة أفريقيا فشل تام ومطلق لا يقبل التخفيف.”

يرى المؤرخ البريطاني سيباستيان بالفور، من كلية لندن للاقتصاد، في كتابه “Deadly Embrace”، أن الدافع الأساسي للهجمات الكيميائية كان الانتقام الصريح لهزيمة أنوال، لا ضرورة عسكرية. وقد استهدف الجيش الإسباني عمداً المناطق الأكثر كثافة سكانية، بما فيها الأسواق الشعبية والأنهار، لإحداث أقصى قدر من الدمار البشري والنفسي في صفوف السكان المدنيين.

الغازات الكيميائية المستخدمة في الريف

غاز الخردل (إيبيريتا)الأكثر استخداما وفتكا، يُحدث حروقاً بالغة في الجلد والجهاز التنفسي، أُسقط لأول مرة جواً عام 1924.
الفوسجينغاز خانق شديد السمية، يُصيب الجهاز التنفسي ويُسبب الوفاة السريعة عند استنشاقه.
ثنائي الفوسجيننسخة أشد خطورة من الفوسجين، تُشكّل مزيجاً فتاكاً حين تُستخدم مع الغازات الأخرى.
الكلوروبيكرينمادة مسيلة للدموع وخانقة في آنٍ واحد، تُستخدم لإجبار الضحايا على خلع واقيات الغاز.

ألمانيا في الظل: التورط الخفي بعد الحرب العالمية

ما يزيد القضية تعقيداً هو الدور الألماني في تزويد إسبانيا بهذه الأسلحة. ففي أغسطس 1921، سارعت مدريد إلى التفاوض مع ألمانيا للحصول على إمدادات من غاز الخردل، عبر وسيط بعينه هو الكيميائي هوغو شتولتسنبرغ، وهو شخصية ارتبطت بالبرامج الكيميائية السرية الألمانية في مطلع العشرينيات. والأشد فجاجةً أن هذا التعاون جرى في انتهاك صريح لمعاهدة فرساي 1919 التي كانت تحظر على ألمانيا صناعة مثل هذه الأسلحة. وصل الشحن الأول إلى ميناء مليلية عام 1923، ليُحمَّل لاحقاً على متن طائرات فارمان غوليات الحربية.

وقد أُنتجت هذه المواد في مصنع “فابريكا ناسيونال دي برودوكتوس كيميكوس” قرب مدريد، الذي أُسِّس بمساعدة ألمانية واسعة. وقد منحت إسبانيا في نهاية المطاف الجنسيةَ الإسبانية لشتولتسنبرغ، كأحد أشكال المكافأة على ما قدّمه.

“لقد كنت عنيداً في رفضي استخدام الغازات الخانقة ضد هؤلاء السكان الأصليين، لكن بعد ما فعلوه وبعد سلوكهم الخياني والغادر، سأستخدمها بفرح حقيقي.” — داماسو بيرينغير، المفوض الإسباني الأعلى في المغرب، في برقية موجَّهة إلى وزير الحرب الإسباني، أغسطس 1921

إثبات الجريمة: من كشفها؟ ومتى؟

ظلت هذه الجريمة طيّ الكتمان لعقود، إذ عمدت السلطات الإسبانية إلى إخفاء وقائعها وحجب المعلومات المتعلقة بها. لكن الحقيقة لم تلبث أن شقّت طريقها بجهود متراكمة لباحثين من جنسيات مختلفة:

1974نشر الإسباني بيدرو توندا بوينو في مذكراته شهادات عن إلقاء الغازات السامة جواً على أراضي الريف.
1990أثبت الصحفيان والباحثان الألمانيان روديبرت كونز ورولف-دايتر مولر بالدليل العلمي وقوع الهجمات الكيميائية في كتابهما الموثَّق.
لاحقاًأكّد المؤرخ البريطاني سيباستيان بالفور من كلية لندن للاقتصاد، استناداً إلى أرشيفات إسبانية وفرنسية وبريطانية، الاستخدام الواسع النطاق للأسلحة الكيميائية ضد المناطق الآهلة بالسكان.
2007تقدّم حزب “إسكيرا ريبوبليكانا دي كاتالونيا” بمقترح قانون في البرلمان الإسباني يطالب بالاعتراف الرسمي، فرُفض بأصوات الحزبين الاشتراكي والشعبي.

سابقة تاريخية: أول استخدام لغاز الخردل جوا في العالم

تحتل هذه الهجمات مكانة مشينة في سجلات التاريخ العسكري، إذ تُعدّ المرة الأولى في التاريخ التي يُلقى فيها غاز الخردل من طائرات حربية، وذلك عام 1924 — أي قبل عام كامل من توقيع بروتوكول جنيف 1925 الذي يحظر استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية في الحروب. وبهذا المعنى، كان أهالي الريف المغربي أول ضحايا مدنيين لقصف جوي بالأسلحة الكيميائية في تاريخ البشرية.

الإرث الملتهب: السرطان والصمت المؤسسي

ترى “جمعية الدفاع عن ضحايا حرب الريف” أن التداعيات الصحية لهذه الهجمات لا تزال تُلقي بظلالها على أبناء المنطقة حتى اليوم، مستشهدةً بمعدلات الإصابة بالسرطان التي تُسجَّل في مناطق الريف. وإن كان العلم لم يحسم بعد العلاقة السببية المباشرة بين تلك الهجمات الكيميائية والوضع الصحي الراهن، فإن التساؤل يظل قائماً ومشروعاً في غياب أي بحث علمي مستقل ومموَّل لدراسة هذه المسألة على نحو جاد.

في المقابل، لا تزال إسبانيا تتحاشى الاعتراف الرسمي بهذه الجريمة التاريخية. ففي عام 2007، حين قدّم حزب اليسار الجمهوري الكاتالوني مقترحاً قانونياً يطالب بهذا الاعتراف، صوّت ضده الحزبان الاشتراكي الحاكم والشعبي المعارض معاً، ليؤكدا بذلك أن التاريخ في إسبانيا لا يزال رهينة الحسابات السياسية.

ما يظل بلا إجابة بعد قرن

  • هل ستعترف إسبانيا رسميا يوما باستخدامها الأسلحة الكيميائية ضد مدنيين في الريف؟
  • هل تتحمل ألمانيا جزءاً من المسؤولية الأخلاقية لتورطها في توريد هذه الأسلحة خلافاً للقانون الدولي؟
  • لماذا لم تُموَّل حتى الآن دراسة علمية مستقلة تبحث في الصلة بين التلوث الكيميائي التاريخي ومعدلات الأمراض في الريف؟
  • متى تُنصف الذاكرة الجماعية لأهالي الريف الذين دفعوا ثمن مقاومتهم بأرواحهم وصحتهم وتاريخهم؟

هيئة التحرير

موقع إعلامي شامل يُعنى بمختلف المواضيع والأخبار المرتبطة بالريف، إلى جانب المستجدات الوطنية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى