Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
كُتّاب وآراء

عشر سنوات على حراك الريف: عقد من النضال وذاكرة تأبى النسيان

في مثل هذا اليوم، 28 أكتوبر 2016، كان الريف على موعد مع انطلاق واحدة من أكبر وأعمق الحركات الاحتجاجية في الألفية الثالثة، بعدما أشعلت وفاة محسن فكري، في ظروف مأساوية ومروعة، شرارة غضب شعبي واسع، وخلّفت جرحًا غائرًا لم يندمل في الذاكرة الجماعية. كانت تلك اللحظة إيذانًا بميلاد حراك الريف الشعبي.

شكّل حراك الريف حدثًا استثنائيًا في تاريخ الحركة الاحتجاجية ومسارها، إذ اعتمد على أفقية اتخاذ القرار، بعيدًا عن الآليات الكلاسيكية للاحتجاج التي كانت تقوم على الهرمية والتحكم في الفعل الجماعي عبر قنوات «النخب»، التي غالبًا ما تحولت إلى أدوات لضبط إيقاع الاحتجاج والتحكم في مسارات التعبير الجماعي عن التذمر والسخط والغضب.

لقد أعاد حراك الريف الاعتبار إلى قوة القاعدة الجماهيرية، وتعامل معها باعتبارها فاعلًا راشدًا وقادرًا على اتخاذ القرار، في قطيعة مع أنماط احتجاجية سابقة كانت تنظر إلى الجماهير بوصفها فئة غير واعية تحتاج إلى التأطير والوصاية. كما تجاوز منطق السلطوية الأبوية الذي يمنح النخب امتياز اتخاذ القرار، باعتبارها الطرف الراشد والواعي، ويختزل الجماهير في موقع الابن القاصر الذي يحتاج إلى وصي.

وأسّس الحراك لنمط جديد وحديث من الخطاب والتواصل السياسي، إذ خاطب السلطة بصيغة «نحن» في مواجهة «أنت»، بدلًا من الخطاب السائد قبله، الذي اتسم بالتشفير والالتباس، وتوظيف قاموس سياسي قابل لتأويلات متعددة، من قبيل «نحن» في مقابل «أنتم»، دون تحديد واضح لمضمون هذا «الأنتم» أو الكشف عن هوية «هم» المضمرة والمستترة في الخطاب.

واستطاع حراك الريف تشكيل كتلة جماهيرية واسعة، وتوحيدها حول مطالب مشتركة، متجاوزًا الاختلافات والتناقضات والاستقطابات الأيديولوجية التي كانت، في كثير من المحطات السابقة، من عوامل إضعاف الفعل الاحتجاجي وتفكيكه. فقد نجح في تحييد أدوات الانقسام التي استُخدمت لتفتيت اللحمة الجماهيرية، عبر استثمار التناقضات الأيديولوجية وإذكاء الصراعات الداخلية وآليات التدمير الذاتي.

كما أفرز خطاب الحراك نمطًا جديدًا من المساءلة السياسية للنظام السياسي، من خلال مساءلة السياسات العمومية، وتشخيص أعطابها ومظاهر إخفاقها في التسيير والتدبير، والكشف عن مكامن الفساد، والاستدلال على عمق التداخل بين السلطة والمال والريع.

وفي قراءة الحراك للواقع السياسي، برز غياب التنمية الحقيقية عن أولويات السياسات الرسمية، وهي السياسات التي اعتبر أنها محكومة بعقلية أمنية تنظر إلى التعبير العلني عن الرفض باعتباره خروجًا عن الطاعة، وتلجأ إلى شرعنة العصا بوصفها أداة لتدبير الأزمات بدل معالجة أسبابها.

ولا يمكن إغفال البعد القيمي والأخلاقي الذي استند إليه خطاب الحراك، والذي وضع المقاربة الأمنية الرسمية أمام اختبار أخلاقي وسياسي، من خلال التشبث بالسلمية، والانضباط الجماعي، واستحضار مبادئ «ثاومات» (الأخوة) والمساواة والتضامن.

وقد تجلّى هذا البعد أيضًا في تجاوز مظاهر التراتبية بين الجنسين، وإفساح المجال أمام المرأة لتكون في مقدمة الفعل الاحتجاجي، إلى جانب الانفتاح على المناطق القروية والدواوير، وإيصال أصوات الفئات التي طالما ظلت مهمشة ومغيبة.

وبذلك، سعى الحراك إلى كسر الثنائيات التقليدية بين المركز والهامش، والبادية والمدينة، وإعادة بناء العلاقة بينها على أساس التكامل والتضامن، بدل التنافر الذي كرّسه منطق أفضلية المركز وهيمنته على الأطراف.

كما أعاد حراك الريف الوهج إلى ريفيي المهجر، الذين أبانوا عن ارتباط عميق بمعاناة الريف الأم، واحتضان صادق لهمومه وقضاياه. فقد جابوا شوارع المدن والعواصم الأوروبية وغيرها، في مشاهد من التضامن ونكران الذات والتضحية، وفاءً لهوية الانتماء، رغم ظروف الإبعاد القسري التي أفرزتها، في نظر كثيرين منهم، سياسات التهجير والتضييق والحصار الممنهج.

ومن أبرز الظواهر التي أفرزها حراك الريف بروز ناصر الزفزافي، بوصفه شخصية خطابية ذات قدرة استثنائية على التعبئة والتأطير والتواصل الجماهيري.

لقد مثّل الزفزافي، في نظر أنصار الحراك، نموذجًا مناقضًا للصورة التقليدية للسلطة القائمة على الهرمية والسلطوية والغموض والانعزال عن المحيط الاجتماعي. وجسّد، بالنسبة إليهم، انتصارًا لقيم الحراك الإنسانية والأخلاقية، ونموذجًا لقيادة جماهيرية لم تتشكل داخل مؤسسات الدولة أو أجهزتها التأطيرية.

كان الزفزافي تعبيرًا عن صورة الريفي الصادق في مواجهته للسلطة، والمتمسك بالقيم والأخلاق وشيم النبل في مواجهة أدوات الردع والإكراه المادي. وإلى جانب ذلك، امتلك قدرة تواصلية وخطابية مكّنته من تبسيط إشكالات سياسية واجتماعية معقدة، تتصل بأسئلة الديمقراطية والتدبير العمومي والعدالة الاجتماعية.

لقد كان الزفزافي، في الوعي الجماعي لقطاع واسع من أبناء الريف، زعيمًا بحق، ولا يزال يحتفظ بهذه المكانة الرمزية.

وبعد مرور عقد من الزمن، لا يزال حراك الريف، في دلالاته السياسية والرمزية، يكشف عن استمرار التوتر بين السلطة والذاكرة التاريخية للريف. وهو توتر يعكس، في أحد أبعاده، صعوبة استيعاب الثقل التاريخي والرمزي لمنطقة ظلّت علاقتها بالمركز محكومة بمحطات متكررة من الاحتجاج والمواجهة وسوء الفهم السياسي.

وأمام اختلال موازين القوى، واستمرار الذهنية السلطوية القائمة على التأديب والضبط والإخضاع، يمكن اعتبار الحراك، من منظور تجربته الفكرية والسياسية، تحولًا عميقًا تجاوز حدود الاحتجاج المطلبي، ليؤسس لثورة في الوعي السياسي، ويعيد مساءلة المسلمات واليقينيات التي حكمت العلاقة بين السلطة والمجتمع قبل ظهوره.

فالحراك لم يكن مجرد مطالبة بمستشفى أو جامعة أو فرص للشغل، رغم مركزية هذه المطالب ومشروعيتها، بل كان أيضًا مساءلة قيمية وأخلاقية لطبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، ولمعنى الكرامة والعدالة والمواطنة والحق في التعبير.

ومن هذا المنطلق، يظل استمرار وجود معتقلي الحراك خلف القضبان، بعد سنوات طويلة من اندلاع الاحتجاجات، مؤشرًا، في نظر المدافعين عنهم، على اختلال عميق في آليات تدبير الاختلاف السياسي والاجتماعي.

إن استمرار الاعتقال والأحكام السجنية الثقيلة يعكس، وفق هذه القراءة، امتدادًا للعقلية السياسية والأمنية التي طبعت مرحلة ما بعد 2011 إلى غاية 2026، وعجزًا عن تطوير آليات الإنصات والحوار واستيعاب الأصوات النقدية.

إنها عقلية لا تسمع إلا أصوات التهليل، ولا تلتقط إلا ذبذبات التبريك المصطنع، بينما تنظر إلى الصراحة باعتبارها تهديدًا، وإلى الجهر بالحقيقة بوصفه علامة على التمرد؛ وهي النظرة التي استحضرتها الذاكرة الجماعية للحراك من خلال عبارات قيلت خلال إحدى جلسات المحاكمة العلنية، وجرى توصيفها آنذاك بأنها مجرد زلة لسان.

لقد كان حراك الريف، ولا يزال في الذاكرة الجماعية، حلمًا بمجتمع لا تحكمه المقاربة الأمنية، بل تؤطره شروط العدالة والكرامة والمساواة. وكان، قبل كل شيء، تعبيرًا عن منظومة من القيم الإنسانية والأخلاقية، وانتصارًا لفكرة أن المواطن ليس موضوعًا للوصاية، بل شريك في صناعة القرار وتحديد المصير.

إن حراك الريف، في جوهره، لم ينتهِ بانتهاء المسيرات والاحتجاجات في الشوارع والساحات؛ فالأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي ساهمت في ظهوره لا تزال، في جوانب منها، قائمة.

كما أن استمرار اعتقال عدد من رموزه، الذين يمثلون امتدادًا رمزيًا لصوته وخطابه وفلسفته، إلى جانب استمرار مظاهر التهميش والإهمال التي تطال الإنسان والمجال والتنمية في الريف، يجعل أسئلة الحراك ومطالبه حاضرة في النقاش العمومي.

وعلى السلطة أن تدرك أن معالجة الأزمات لا تبدأ بتوسيع أدوات الردع والإخضاع، ولا بتهميش الأصوات المطالبة بالتغيير أو شيطنتها، وإنما بتجفيف منابع الأزمة، ومعالجة أسبابها البنيوية، وفتح آفاق حقيقية للعدالة والإنصاف والتنمية والمصالحة.

فحراك الريف لم يكن مجرد لحظة احتجاج عابرة، بل كان محطة تاريخية في تشكل الوعي الجماعي، وتجربة سياسية واجتماعية ستظل حاضرة في ذاكرة الريف، وفي تاريخ الاحتجاج بالمغرب.

رحم الله محسن فكري.

رحم الله عماد العتابي.

رحم الله عبد الحفيظ الحداد.

الحرية لمعتقلي حراك الريف المجيد.

خميس بوتكمانت

خميس بوتكمانت هو كاتب رأي وفاعل جمعوي ينشط في منطقة الريف، ويرتبط اسمه بالنقاشات المتعلقة بالشأن المحلي والقضايا التنموية والاجتماعية والسياسية التي تهم المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى