الهوية الأمازيغية لبلاد مراكش: قراءة في الخطاب الملكي

تطرح مسألة الهوية الأمازيغية في بلاد مراكش بوصفها قضية تاريخية وثقافية وسياسية، تتجاوز الاعتراف باللغة والتراث إلى سؤال أعمق يتعلق بكيفية تقديم تاريخ البلاد وهويتها في الخطاب الرسمي. فالأمازيغية ليست مجرد مكون ثقافي من مكونات المجتمع، بل هي امتداد تاريخي متجذر في أرض تامازغا، أسهم في تشكيل لغات المنطقة وثقافاتها ومجتمعاتها وكياناتها السياسية عبر قرون طويلة.
ومن هذا المنطلق، يثير الخطاب الملكي الموجّه إلى البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026 تساؤلات بشأن الطريقة التي جرى بها تقديم الهوية الوطنية، ولا سيما حين يتحدث عن عراقة الأمة والملكية والهوية الدينية والتعدد الحضاري، من دون أن يذكر الأمازيغية صراحة في المقطع المتعلق بهذه العناصر.
لا يتعلق الأمر هنا بإنكار ما تحقق من اعتراف دستوري بالأمازيغية، ولا بتجاهل بعض القرارات الرسمية التي عززت حضورها، وإنما بطرح سؤال مشروع: لماذا تحضر بعض عناصر الهوية بوضوح في الخطاب الرسمي، بينما لا يشار إلى الجذور الأمازيغية التاريخية للبلاد بالوضوح نفسه؟
أولاً: قراءة في الخطاب الملكي ليوم 9 أكتوبر 2026
جاء في الخطاب الملكي:
«فالمغرب أمة من أعرق الأمم في العالم، تحت راية ملكية عريقة، من أقدم الملكيات في التاريخ. ومن حق المغاربة أن يعتزوا بهويتنا الدينية الأصيلة، في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة، الغنية بتعدد مكوناتها».
كما استحضر الخطاب قولاً سبق أن عبر عنه الملك سنة 2014:
«إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي».
إن الاعتزاز بالانتماء الوطني وبالتاريخ السياسي والديني للبلاد أمر مفهوم، لكن الإشكال الذي يطرحه هذا المقطع هو غياب الإشارة الصريحة إلى الأمازيغية في سياق الحديث عن العراقة التاريخية والهوية الحضارية.
فإذا كانت الأمازيغية مكوناً أساسياً للهوية الوطنية، كما ورد في خطابات رسمية سابقة، فلماذا لا تحضر بوضوح في خطاب يتناول عراقة الأمة وتاريخها؟ وهل يفهم من هذا الغياب أن الأمازيغية تستحضر في مناسبات محددة، بينما تتراجع عند تقديم الرواية العامة عن تاريخ البلاد وهويتها؟ أم أن الأمر مرتبط باختيارات الصياغة ومقاصد الخطاب؟
لا يمكن الجزم من مجرد غياب لفظ معين بوجود قرار مقصود لتهميش الأمازيغية، لكن المقارنة بين الخطابات تتيح فتح نقاش جدي حول مدى ثبات حضورها في التصور الرسمي للهوية الوطنية.
ثانياً: مملكة موريطانيا والذاكرة التاريخية الأمازيغية
إن الحديث عن عراقة بلاد مراكش لا يستقيم من دون استحضار تاريخها القديم، بما فيه الممالك والكيانات السياسية الأمازيغية التي سبقت الفترات الإسلامية بقرون طويلة.
ومن أبرز هذه الكيانات مملكة موريطانيا القديمة، التي ارتبط تاريخها بشعوب المنطقة الأمازيغية وبعلاقات سياسية وعسكرية مع القوى المتوسطية. وينبغي هنا التمييز بين مملكة موريطانيا القديمة وبين مقاطعة موريطانيا الطنجية التي أنشأها الرومان لاحقاً؛ فهما مرحلتان تاريخيتان مختلفتان، ولا يجوز الخلط بين حدودهما السياسية أو الجغرافية.
ومن الشواهد التاريخية التي تستحق الاستحضار ما أورده المؤرخ الروماني تيتوس ليفيوس في كتابه «تاريخ روما»، الكتاب التاسع والعشرين، الفصل الثلاثين، بشأن باگا، ملك الموريين، الذي قدم مرافقة عسكرية لماسينيسا قوامها أربعة آلاف رجل. ويكشف هذا الخبر عن وجود كيان سياسي محلي ذي قدرة على اتخاذ قرارات عسكرية ودبلوماسية في سياق صراعات البحر المتوسط القديمة.
إن استحضار هذه الوقائع لا يعني الادعاء بأن الدولة المغربية المعاصرة امتداد مؤسسي مباشر لمملكة موريطانيا، ولا أنه يمكن إثبات استمرارية سلالية أو سياسية بمجرد التشابه التاريخي. لكن هي تعني أن تاريخ المنطقة أقدم من المراحل التي تركز عليها بعض الروايات الرسمية، وأن الممالك الأمازيغية القديمة تستحق مكانتها في الذاكرة التاريخية الوطنية.
ومن هنا يبرز سؤال إضافي: هل يرتبط عدم ذكر مملكة موريطانيا القديمة في الخطاب الملكي بالحساسيات التاريخية والسياسية بين المخزن والريف؟ وهل جرى تفادي استحضارها رغم مكانتها في التاريخ الأمازيغي القديم؟ أم أن الأمر مجرد اختيار في صياغة الخطاب؟
يبقى هذا السؤال فرضية للنقاش والبحث، وليس حقيقة مثبتة؛ إذ لا تتوافر، بمجرد غياب الإشارة إلى موريطانيا، أدلة كافية لإثبات أن عدم ذكرها كان مقصوداً لأسباب سياسية. كما أن تحديد المجال الجغرافي للمملكة القديمة وعلاقته بالمجال الريفي يحتاج إلى دراسة تاريخية متخصصة، لا إلى إسقاط الحدود المعاصرة على الماضي.
لكن طرح السؤال يظل مشروعاً، لأن كتابة التاريخ ليست مجرد استعراض للماضي، بل هي أيضاً اختيار لما يستحضر وما يترك خارج السردية العامة.
ثالثاً: من خطاب أجدير إلى دستور 2011 وقرار 2023
شهد الخطاب الرسمي بشأن الأمازيغية محطات مهمة، لا يمكن تجاهلها عند تقييم خطاب سنة 2026.
ففي خطاب أجدير يوم 17 أكتوبر 2001، بمناسبة إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، برز الاعتراف بمكانة الأمازيغية ضمن الهوية الوطنية. وقد شكل ذلك الخطاب محطة سياسية ومؤسساتية مهمة في مسار الاعتراف الرسمي بالأمازيغية.
وفي 9 مارس 2011، أعلن الخطاب الملكي أن من مرتكزات الإصلاح الدستوري:
«التكريس الدستوري للطابع التعددي للهوية المغربية الموحدة، الغنية بتنوع روافدها، وفي صلبها الأمازيغية، كرصيد لجميع المغاربة».
ثم جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر في 3 مايو 2023، بشأن إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها، ليؤكد أن الأمازيغية مكون رئيسي للهوية المغربية الأصيلة، ورصيد مشترك لجميع المغاربة دون استثناء.
هذه المحطات تؤكد أن الاعتراف الرسمي بالأمازيغية ليس أمراً طارئاً أو هامشياً. لذلك فإن غياب ذكرها صراحة في مقطع من خطاب 2026 يستحق النقاش، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتعريف عراقة الأمة وهويتها الحضارية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين غياب الإشارة في خطاب بعينه وبين إثبات تراجع رسمي شامل عن الاعتراف بالأمازيغية. فالأمر الأول قابل للملاحظة والمقارنة، أما الثاني فيحتاج إلى تحليل أوسع يشمل السياسات العمومية والتشريعات والميزانيات والتنفيذ الفعلي.
رابعاً: الهوية الأمازيغية والدين والتعدد الثقافي
من المهم التمييز بين الهوية التاريخية واللغوية للبلاد وبين الانتماء الديني لمجتمعها. فالإسلام دين، والأمازيغية هوية لغوية وثقافية وتاريخية متجذرة في المنطقة؛ ولا يوجد تعارض ضروري بين الانتماء الأمازيغي والإسلام.
لقد اعتنقت جماعات أمازيغية الإسلام وأسهمت في نشره وفي بناء دول ومجتمعات إسلامية، كما أسهمت في إنتاج الفكر والفقه والعمارة والأدب. غير أن اعتناق الإسلام لا يعني بالضرورة التخلي عن اللغة الأمازيغية أو التحول إلى هوية عربية من حيث الأصل التاريخي.
وكذلك فإن التعدد اللغوي والثقافي لا يستلزم بالضرورة وجود هويات وطنية منفصلة. فقد تتعدد اللغات والتقاليد داخل المجال الوطني نفسه، مع احتفاظ كل جماعة بخصوصيتها التاريخية والثقافية.
ومن هذا المنظور، يمكن الاعتزاز بالإسلام وبالتاريخ السياسي للبلاد، مع الاعتراف الصريح بأن الجذور الأمازيغية جزء أساسي من تاريخها. فليس مطلوباً وضع الهوية الأمازيغية في مواجهة الإسلام أو في مواجهة الانتماء الوطني، بل المطلوب تجاوز التصورات التي تجعل الاعتراف بأحد هذه العناصر مشروطاً بتهميش عنصر آخر.
إن المشكلة لا تكمن في الحديث عن الدين أو التعدد الحضاري، بل في احتمال أن يتحول مفهوم التعدد إلى صيغة عامة لا تبرز بما يكفي مكانة الأمازيغية بوصفها لغة رسمية وجزءاً أصيلاً من التاريخ المحلي.
خامساً: من الاعتراف الدستوري إلى التنزيل العملي
ينص الفصل الخامس من دستور 2011 على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة دون استثناء. وهذا الاعتراف الدستوري يضع على المؤسسات العمومية مسؤولية الانتقال من الإقرار النظري إلى التطبيق الفعلي.
فلا يكفي الاحتفاء بالأمازيغية في المناسبات الرسمية، أو وصفها بأنها رافد من روافد الهوية، إذا ظل حضورها محدوداً في مجالات التعليم والإدارة والقضاء والإعلام والخدمات العمومية.
ويقتضي التفعيل العملي توفير الموارد البشرية والمالية اللازمة، وتوسيع تدريس الأمازيغية، وتمكين المواطنين من استعمالها في التعامل مع الإدارات، وتعزيز حضورها في وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية، مع احترام تنوع تعبيراتها اللسانية المحلية.
كما أن الاعتراف باللغة ينبغي أن يترافق مع صيانة الذاكرة التاريخية، وتوثيق الممالك القديمة والمواقع الأثرية والنقوش، وتشجيع البحث العلمي في تاريخ المجتمعات الأمازيغية. فاللغة والتاريخ عنصران مترابطان في حفظ الذاكرة الجماعية.
وبناء على ذلك، فإن تقييم الخطاب الرسمي لا ينبغي أن يتوقف عند الكلمات وحدها، بل يجب أن يشمل مدى انسجامها مع السياسات العمومية والالتزامات الدستورية. فالمعيار الأساسي ليس عدد المرات التي ترد فيها كلمة «الأمازيغية» في الخطب، وإنما المكانة التي تتمتع بها في المؤسسات والحياة اليومية.
إن قراءة الخطاب الملكي ليوم 9 أكتوبر 2026 من زاوية الهوية الأمازيغية تفتح نقاشاً حول العلاقة بين الخطاب الرسمي والذاكرة التاريخية لبلاد مراكش. فحين يستحضر تاريخ الأمة وعراقة الملكية والهوية الدينية والتعدد الحضاري، يصبح من المشروع التساؤل عن موقع الجذور الأمازيغية في هذا التصور.
ولا يعني هذا التساؤل إنكار المحطات الرسمية التي عززت الاعتراف بالأمازيغية منذ خطاب أجدير، مروراً بدستور 2011، وصولاً إلى قرار اعتماد رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية سنة 2023. لكنه يطرح ضرورة ضمان أن يظل هذا الاعتراف حاضراً بصورة واضحة ومتسقة، لا أن يقتصر على مناسبات أو صيغ محددة.
كما أن استحضار مملكة موريطانيا القديمة والممالك الأمازيغية الأخرى ينبغي أن يكون جزءاً من كتابة تاريخية شاملة، تقوم على المصادر والتحقيق العلمي، وتفسح المجال للأسئلة التي قد تكون حساسة سياسياً من دون تحويل الفرضيات إلى حقائق مسبقة.
إن الاعتراف الحقيقي بالهوية الأمازيغية لا يتحقق بمجرد وصفها بأنها أحد روافد الهوية الوطنية، بل يقتضي الاعتراف بجذورها التاريخية ومكانتها اللغوية والثقافية، وضمان حضورها الفعلي في التعليم والإدارة والإعلام والذاكرة العامة. فالتعدد لا يكتمل بإعلان وجود مكونات مختلفة فحسب، بل بإنصافها في تمثيل تاريخ البلاد وحاضرها ومستقبلها.



