الحسيمة تقترب من حلم الجامعة المستقلة. فهل تنتهي التبعية الجامعية لتطوان؟

تتجه مدينة الحسيمة نحو مرحلة جديدة في مسار تطوير التعليم العالي، وسط حديث عن إحداث مؤسسات جامعية جديدة بالإقليم في إطار التوجهات المرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، بالتزامن مع تجدد النقاش حول إمكانية تأسيس جامعة مستقلة تنهي الارتباط الإداري والأكاديمي الحالي بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان.
ويعيد هذا التوجه إلى الواجهة مطلباً ظل حاضراً في النقاش المحلي حول مستقبل التعليم العالي بمنطقة الريف، خاصة في ظل الحاجة إلى توسيع العرض الجامعي، وتوفير تخصصات جديدة تستجيب لتطلعات الشباب ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالإقليم.
نحو استقلال جامعي طال انتظاره
يشكل مشروع إحداث جامعة مستقلة بالحسيمة، في حال اعتماده رسمياً، تحولاً مهماً في تنظيم التعليم العالي بالمنطقة، إذ سيسمح بانتقال تدبير المؤسسات الجامعية من الهياكل المركزية لجامعة عبد المالك السعدي إلى رئاسة جامعية مستقلة تتولى الإشراف على تطوير المؤسسات والتخصصات والبرامج البحثية.
ومن شأن هذه الخطوة أن تمنح الحسيمة هامشاً أوسع في تحديد أولوياتها الأكاديمية، واستقطاب الأساتذة والباحثين، وإقامة شراكات مع المؤسسات الجامعية الوطنية والدولية، بما يتناسب مع خصوصيات المنطقة وحاجياتها التنموية.
غير أن هذا السيناريو يظل مرتبطاً بصدور قرار رسمي يحدد الإطار القانوني والتنظيمي للجامعة المرتقبة، خاصة أن إحداث مؤسسات جامعية جديدة لا يعني بالضرورة تأسيس جامعة مستقلة إدارياً.
تخفيف معاناة الطلبة وأسرهم
يواجه عدد من الطلبة المنحدرين من الحسيمة والمناطق المجاورة تحديات مرتبطة بمحدودية التخصصات الجامعية المتاحة محلياً، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى الانتقال نحو تطوان أو وجدة أو فاس ومدن أخرى لمتابعة دراستهم العليا.
ولا تقتصر انعكاسات هذا الوضع على الجانب التعليمي، بل تمتد إلى الأعباء المالية التي تتحملها الأسر، خصوصاً تكاليف السكن والتنقل والمعيشة، فضلاً عن الصعوبات الاجتماعية التي قد تواجه الطلبة بعيداً عن محيطهم العائلي.
ومن هذا المنطلق، فإن توسيع المؤسسات الجامعية بالحسيمة يمكن أن يسهم في تقريب التعليم العالي من الشباب، وتحسين فرص الولوج إليه، والحد من بعض مظاهر التفاوت المجالي بين مناطق الريف والمدن الجامعية الكبرى.
جامعة تستجيب لخصوصيات الريف
لا يرتبط مطلب الجامعة المستقلة فقط بإنشاء مبانٍ أو توسيع الطاقة الاستيعابية، بل يطرح أيضاً سؤالاً حول طبيعة التخصصات التي تحتاج إليها المنطقة.
فالحسيمة ومحيطها يتوفران على مؤهلات طبيعية وبحرية وسياحية وثقافية يمكن أن تشكل أساساً لتطوير برامج أكاديمية وبحثية في مجالات علوم البحار، والبيئة، والطاقات المتجددة، والسياحة المستدامة، والاقتصاد الرقمي، وريادة الأعمال.
كما يمكن أن يشكل إحداث مسارات بحثية متخصصة في التاريخ واللغة والثقافة الأمازيغية إضافة نوعية للمشهد الجامعي، بالنظر إلى المكانة التاريخية والثقافية التي تحتلها منطقة الريف.
وسيكون نجاح أي مشروع جامعي جديد مرتبطاً بقدرته على ربط التكوين الأكاديمي بسوق الشغل، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، وتوفير فرص حقيقية للشباب داخل المنطقة.
بين الطموح الجامعي والقرار الرسمي
ورغم الآمال التي يثيرها الحديث عن إعادة تنظيم الخريطة الجامعية، فإن مسألة استقلال الحسيمة عن جامعة عبد المالك السعدي لم تُحسم رسمياً وفق المعطيات المتاحة.
ويظل التمييز ضرورياً بين إحداث كليات ومؤسسات جامعية إضافية وبين إنشاء جامعة قائمة بذاتها، لأن الخيار الثاني يستلزم ترتيبات قانونية وإدارية ومالية، إلى جانب توفير الموارد البشرية والبنيات التحتية اللازمة.
كما أن الاستقلال الإداري، في حد ذاته، لا يضمن تلقائياً تحسين جودة التعليم، ما لم يواكبه استثمار فعلي في التأطير البيداغوجي والمختبرات الجامعية والخدمات الطلابية.
هل تصبح الحسيمة قطباً جامعياً جديداً في الريف؟
يفتح النقاش الحالي آفاقاً أوسع للتفكير في الدور الذي يمكن أن تؤديه الحسيمة مستقبلاً كمركز جامعي وبحثي يخدم مختلف مناطق الريف، ويساهم في استقطاب الطلبة والكفاءات وتنشيط الاقتصاد المحلي.
ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت التوجهات المطروحة ستترجم إلى قرارات ملموسة تضمن للإقليم مؤسسات جامعية متكاملة ومستقلة، أم أن الأمر سيقتصر على توسيع العرض الجامعي ضمن البنية الإدارية الحالية.
وبين طموحات الطلبة وانتظارات الأسر ومتطلبات التنمية، يبقى حلم الجامعة المستقلة بالحسيمة مشروعاً يتطلع كثيرون إلى رؤيته يتحول من مطلب إلى واقع.



